الصفحة 73 من 146

كلكم يمشي رويدًا، كلكم يطلب صيدًا، غير عمرو بن عبيد [1] . أما أحمد بن حنبل رضي الله عنه، فقد كان نافرًا من أعطيات الحكام ومنحهم أشد النفور، زاهدًا فيها حتى أنه كان يرفضها ولو جاءت عن طريق تولية عمل من أعمال الدولة.

عندما جاء الإمام الشافعي إلى بغداد للمرة الثانية التي أقام فيها لنشر مذهبه وكان الإمام أحمد يلتزم مجالس الشافعي. وما كان يفارقه إلا لسفر من أجل طلب حديث نبوي، ولقد لاحظ الشافعي أن أحمد ينوي السفر إلى اليمن لأخذ الحديث من عبد الرزاق بن همام. ومشقة السفر هذه بعيدة وأنها تحتاج إلى إنفاق مال وأحمد لا يجد ذلك، وكان الأمين قد كلف الشافعي أن يختار قاضيًا إلى اليمن فوجد الشافعي أن من تسهيل مهمة أحمد أن يكون قاضيًا فيها، فيجتمع إلى عبد الرزاق بن همام، ويأخذ ما يريد من غير مشقة مضنية، ولكن الإمام احمد رفض طلب الشافعي هذا وقال له وهو شيخه الذي يكن له كل الاحترام والتقدير، يا أبا عبد الله إن سمعت منك هذا ثانية لم ترني ثانية عندك [2] .

ويروى كذلك، أن المأمون دفع إلى شيخ من شيوخ الحديث في عصره مالًا ليقسمه على رجال الحديث والمشتغلين فيه، لأنه علم أن فيهم من يحتاج إلى النفقة فأراد أن يعينهم على ما خصصوا أنفسهم له، وأخذ هؤلاء المال، أما أحمد بن حنبل فقد رفض العطاء، وقد عرف أنه المعوزين [3] .

ولكن الإمام أحمد اضطر مرة لأخذ هذه الأعطيات ولكن انظروا هل لمستها يده؟ وماذا فعل بها، فقد روي أن وزير المتوكل كتب له: إن أمير المؤمنين قد وجه إليك جائزة ويأمرك بالخروج إليه، فالله أن تستغني، وترد المال فيتسع القول لمن يغضبك [4] . فأحمد يبدد ظلمات السعاية إلى القبول ولكنه لا يمسه. ويأمر ولده صالحًا بأخذه ثم يوزعه في اليوم الثاني على أبناء المهاجرين والأنصار وغيرهم من أهل التجمل والحاجة وكأنه يرى أنهم أولى بمال المسلمين منه وحرموا عطاهم [5] . وهذا الإمام الطبري. عرضت عليه الجوائز فرفض وعرضت عليه ولاية المظالم والقضاء فرفض. وأشار عليه صحبه قائلين في هذا الثواب وتحيي سنة قد درست. فهزمهم قائلًا: أظن اني لو رغبت في ذلك نهيتموني عنه [6] . وهذا سعيد بن مسيب. قد كان له في بيت المال بضعة وثلاثن ألفًا عطاءه، فكان يدعى إليها فأبى ويقول لا حاجة لي فيها حتى يحكم الله بيني وبين بني مروان [7] .

القسم الثاني: كان يأخذ أعطيات الحكام، بقصد إنفاقه وتوزيعه على طلبة العلم وعلى إخوانه من العلماء، الذين أصيبوا بالفاقة والعوز ليعيش هؤلاء في حياة كريمة تليق بمكانة العلم ومنزلة العلماء. والجدير بالذكر أن هذا القسم في الوقت الذي يقبل أخذ الأعطيات من الحكام. كان هذا الأخذ لا يثنيهم عن محاسبتهم والإنكار عليهم وإبداء النصح الكريم لهم. ومن هؤلاء الحسن البصري والإمام مالك بن أنس رضي الله عنهما. فمالك كان لا يتحوب (لا يتأثم) من الأخذ من الخلفاء لأنه مال المسلمين، ومن أحق به من أهل العلم الذين وقفوا أنفسهم على تعليم الناس أمور دينهم وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر وهم بذلك كالجند وقفوا أنفسهم لحماية الثغور من الأعداء لكيلا يثلموا فيها ثلمة ينفذون منها إلى الأمة، فإنه إذا كان الجند كذلك. فالعلماء لمنع الضلال ولئلا يثلم الدين الثلم الذي يصل إلى قلوب الأمة فتزل القدم بعد ثبوتها وتذرق السوء [8] ...

(1) [ص191 من أخلاق العلماء] .

(2) [ص271 المناقب لابن الجوزي] .

(3) [ص181 جـ9 حلية الأولياء] .

(4) [ص3 المناقير لأبي الجوزي] .

(5) [ص77 أحمد بن حنبل للأستاذ أبي زهرة] .

(6) [ص188 أبو حنيفة بطل الحرية والتسامح في الإسلام] .

(7) [ص129 جـ5 طبقات ابن سعد الكبرى] .

(8) [ص76 ابن حنبل لأبي زهرة] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت