الصفحة 38 من 146

"كثيرًا ما يستشهد بعض العلماء -وأقول العلماء تجاوزًا- في سائر البلاد الإسلامية بجزء من آية التهلكة، وهي قوله تعالى: (وَلاَ تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ) [1] ."

يستشهدون بهذا الجزء في معرض الدفاع عن أنفسهم، حينما يطالبون أن ينكروا على الحكام الظالمين، وأن يتصدوا لأفعال المسؤولين الفسقة، وذلك ببيان زيف أعمالهم وكشف تصرفاتهم للأمة، وإبداء رأي الإسلام وحكم الشرع في تلك الأفعال والتصرفات، قائلين بأن المطلب فيه هلاك وتهلكة، وقد نهينا عن ذلك، وليتهم وقفوا عند هذا الحد واكتفوا بإثم السكوت وفساد هذا الاستشهاد الذي في غير محله، بل توغل بعضهم في هذا الإثم، فلاموا وأنكروا على من يقوم بمهمته الشرعية وواجبه الشرعي الإسلامي، نحو هؤلاء الحكام، حين يأمرهم وينهاهم ويحاسبهم ويعيب أفعالهم المنكرة وتصرفاتهم الشاذة"."

وإذا لحق هذا القائم بواجبه، والمؤدي مهمته، بعض الأذى والتضييق والملاحقة قالوا عنه: أذى نفسه وعرض حياته للتهلكة، يقولون هذا عنه وهم يحفظون قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا ينبغي لامرئ شهد مقامًا فيه حق إلا تكلم به فإنه لن يقدم أجله ولن يحرمه رزقًا هو له) [2] ويرددون قول الإمام علي رضي الله عنه: ( .. وإن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يقربان من أجل ولا ينقصان من رزق وأفضل ذلك كلمة عدل عند إمام جائر [3] ويتناسون مواقف علماء السلف الصالح مع الحكام في جميع العصور الإسلامية الذين قاموا بواجبهم خير قيام، فأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر وحاسبوا حكامهم ولم تأخذهم في الله لومة لائم فصبروا على كل أذى لحقهم مهما عظم وكثر، وكأن يحسبون ذلك كفارة للذنوب، وزكاة للأعمال، وشفاعة له يوم العرض الأكبر على الله يوم القيامة.

أما هذه الآية التي يستشهد بجزء منها هؤلاء (الجبناء) فهي قوله تعالى في سورة البقرة.

(وَأَنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوَا إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) .

ذكر الإمام الرازي في تفسيره، ناقلًا عن أبي عبيد والزجاج، أن التهلكة هي الهلاك. وقال الإمام الطبرسي في تفسيره أيضًا التهلكة والهلاك واحد، وأصل الهلاك الضياع وهو مصير الشيء بحيث لا يدري أين هو.

(1) 195 سورة البقرة.

(2) رواه البيهقي بهذا اللفظ، ورواه أحمد وأبو يعلى بلفظ: (أَلا لا يَمْنَعَنَّ أَحَدَكُمْ رَهْبَةُ النَّاسِ أَنْ يَقُولَ بِحَقٍّ إِذَا رَآهُ أَوْ شَهِدَهُ فَإِنَّهُ لا يُقَرِّبُ مِنْ أَجَلٍ وَلا يُبَاعِدُ مِنْ رِزْقٍ أَنْ يَقُولَ بِحَقٍّ أَوْ يُذَكِّرَ بِعَظِيمٍ) ، وقال شيخنا المقدسي:"وهو حديث صحيح". (كشف النقاب عن شريعة الغاب ص175) .

(3) [ص244 جـ3 نهج البلاغة] ، وقد تقدم الكلام عن"نهج البلاغة"، ولكن صح بمعناه مرفوعًا؛ فعن طارق بن شهاب أن رجلًا سأل النبي صلى الله عليه وسلم وقد وضع رجله في الغرز: أي الجهاد أفضل؟ قال: (كلمة حق عند سلطان جائر) (أخرجه النسائي وابن ماجة وأحمد وصححه الألباني) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت