أما تفسير الآية الكريمة، فإنه لما فرض الله تعالى الجهاد في سبيله، وواجب نشر دينه بالفتح، عقب بذكر الإنفاق في سبيل ذلك، واعتبر هذا الإنفاق في الجهاد من أعماله ومن مقوماته الأساسية. فقال تعالى (وَأَنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوَا إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) [1] . فالجهاد يكون بقتال الأعداء كما يكون بالإنفاق عن ذلك، قال تعالى (انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ) [2] .
فالآية الكريمة خاصة بالإنفاق في سبيل الله والجهاد.
جاء في تفسير ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية قال البخاري (وذكر سنده) (وَأَنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ) نزلت في الإنفاق.
وذكر أيضًا: (قال رجل للبراء بن عازب -الصحابي الجليل رضي الله عنه- إن حملت على العدو وحدي فقتلوني أكنت ألقيت بيدي إلى التهلكة؟ قال لا. قال الله لرسوله(فقاتل في سبيل الله لا تكلف إلا نفسك) [3] إنما نزلت في الإنفاق.
وجاء في تفسير الرازي عند تفسير هذه الآية: (أن يخلوا بالجهاد فيتعرضوا للهلاك الذي هو عذاب النار فحثهم بذلك على التمسك بالجهاد وهو كقوله تعالى ليهلك من هلك عن بينة) .
والذي يوضح هذا المعنى جليًا من الآية أنها نزلت في الدعوة إلى الإنفاق في سبيل الله والجهاد، والتارك لذلك معرض نفسه لهلاك الدنيا والآخرة هلاك الدنيا بالخسران وغلبه الأعداء حين ترك الجهاد مصداقًا لقوله صلى الله عليه وسلم (ما ترك قوم الجهاد إلا ذلوا) [4] وهلاك الآخرة بعقاب الله يوم القيامة، بسخطه والابتعاد عن رحمته، لعدم قيامه بما أمر وواجب عليه. نعم إن الذي يوضح ذلك ما ذكر في سبب نزول هذه الآية الكريمة.
فقد روى أبو داود والترمذي والنسائي وعبد بن حميد في تفسيره وابن جرير وابن مروديه والحافظ أبو يعلى في مسنده وابن حبان في صحيحه والحاكم في مستدركه [5] وهم من أئمة المحدثين، عن يزيد بن أبي حبيب عن أسلم أبي عمران، قال: حمل رجل من المهاجرين بالقسطنطينية على صف العدو حتى فرقه ومعنا أبو أيوب الأنصاري -الصحابي الجليل رضي الله عنه- فقال ناس ألقى بيده إلى التهلكة. فقال أبو أيوب نحن اعلم بهذه الآية إنما نزلت فينا:
صحبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وشهدنا معه المشاهد ونصرناه، فلما فشا الإسلام وظهر اجتمعنا معشر الأنصار تحببًا فقلنا قد أكرمنا الله بصحبة نبينا صلى الله عليه وسلم ونصره، حتى فشا الإسلام وكثر أهله وكنا قد آثرناه على الأهلين والأموال والأولاد، وقد وضعت الحرب أوزارها، فنرجع إلى أهلينا وأولادنا، فنقيم فيهم فنزل فينا (وَأَنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ) فكانت التهلكة في الإقامة في الأهل والمال وترك الجهاد. أهـ.
وذكر الإمام الرازي في تفسيره عند تفسير هذه الآية أيضًا.
(1) آية 195 سورة البقرة.
(2) الآية 41 التوبة.
(3) آية 84 من سورة النساء.
(4) تقدم تخريجه.
(5) قال الترمذي:"هذا حديث حسن صحيح غريب". وقال الحاكم:"هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه". وقال الذهبي في التلخيص:"على شرط البخاري ومسلم".أهـ