يحرص العلماء الصالحون -دائمًا- على إبداء النصيحة والموعظة الحسنة للحكام، حرصًا جعلهم يتحملون كل مشقة وأذى في هذا السبيل، ويبذلون كل جهدهم لتحقيق هذا المطلب الشرعي الكريم، لأن الدين النصيحة كما يقول النبي الأكرم صلى الله عليه وسلم، (الدين النصيحة .. قلنا لمن؟ قال: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم) [1] ولأن الله تعالى يقول: (وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَامُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ .. ) [2] وهل الدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف إلا نصيحة وموعظة حسنة ..
وكانت النصيحة للحكام في مقدمة المنتصحين، لأن نصيحتهم وانتصاحهم فيه الخير كل الخير لهم ولمن يتولون أمرهم لذلك رأى جلة علماء السلف الصالح أن إبداء النصيحة للحكام، أجدى من الثورة عليهم والخروج على سلطانهم. حين لم يروا كفرًا بواحًا أو إلحادًا في آيات الله تعالى، أو تغير أحكام الشرع، يقول الإمام الحسن البصري رحمه الله تعالى (هم يلون من أمورنا الجمعة والفيء والثغور والحدود والله لا يستقيم الدين إلا بهم وإن جاروا وإن ظلموا. والله لما يصلح الله بهم أكثر مما يفسدون) [3] .
وقد أجاب الإمام مالك بن أنس عندما سئل عن قتال الخارجين على الخليفة، فقد قال قائل له: أيجوز فقال: إن خرجوا على مثل عمر بن عبد العزيز، فقال السائل: فإن لم يكن مثله فقال دعهم ينتقم الله من ظالم لظالم ثم ينتقم من كليهما [4] ثم يعلق الأستاذ الشيخ أبو زهرة على مقالة الإمام مالك هذه بقوله: ولسنا ندري في أي دولة قال هذا أفي الدولة الأموية أم في الدولة العباسية، ولعل الأقرب أن ذلك كان في عصر الدولة العباسية لأنه عصر نضج مالك -الفكري والفقهي- ولا يصلح أن يفهم من هذا أنه يوالي الأمويين دون العباسيين، فإن منطقه الذي سار عليه في حياته لا ينطق بذلك، ثم هو -رحمه الله تعالى- قد وضح الصورة (المثالية بين يدي سائله فقال إن كان الخليفة عمر بن عبد العزيز في تقواه وعدله وإقامة الحدود ورفقه بالناس، وإلا فليذروهم في غيهم يعمهون) [5] ويوضح هذا المعنى في تفضيل النصيحة للحكام الذين يسيئون في تطبيق الإسلام الموصوفين بالحكام الظلمة لا الكفرة الذين أعرضوا عن تطبيق الإسلام وتحكيم القرآن معتقدين بصحة هذا الإعراض- على الخروج عليهم، وقف الحسن البصري كبير العلماء في العصر الأموي، وقد سأله البعض عن الخارجين على أمير المؤمنين عبد الملك بن مروان، فأجاب (لا تكن مع هؤلاء ولا هؤلاء فقال رجل من أهل الشام، ولا مع أمير المؤمنين يا أبا سعيد؟ فغضب وخط بيده ثم قال ولا مع أمير المؤمنين يا أبا سعيد. ولا مع أمير المؤمنين) .
ولم يكن هذا الموقف خاصًا بهذين الإمامين الجليلين بل هو موقف الإمامين سعيد بن المسيب وأحمد بن حنبل وأضرابهما فاكتفى هؤلاء بالنصيحة وإبداء الموعظة الحسنة لحكامهم. تلك التي لم تخل من شدة في الكلام وتخويف بالله المنتقم الجبار، وها هي صور من هذه النصائح والمواعظ ..
كتب الإمام مالك بن أنس رحمه الله تعالى رسالته الشهيرة، إلى هارون الرشيد، يعظه فيها وينصح وقد جاء في مقدمتها أما بعد: فإني كتبت إليك بكتاب لم آلك فيه رشدًا، ولم أدخر فيه نصحًا، تحميد الله وأدبا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتدبره بعقلك وردد فيه بصرك وارعه سمعك، ثم اعقله بقلبك، واحضر فهمك، ولا تغيبن عنه ذهنك، فإن فيه الفضل في الدنيا وحسن ثواب الله في الآخرة.
(1) أخرجه مسلم في صحيحه.
(2) آية 104 من سورة آل عمران.
(3) [ص52 حاشية: مالك، لأبي زهرة] .
(4) [ضحى الإسلام] .
(5) [ص51 مالك، لأبي زهرة] .