الصفحة 63 من 146

اذكر نفسك في غمرات الموت، وكربة ما هو نازل بك منه، وما أنت موقوف عليه بعد الموت من العرض على الله سبحانه ثم الحساب ثم الخلود بعد الحساب، وأعد الله عز وجل ما يسهل عليك أهوال تلك المشاهد وكربها، فإنك لو رأيت سخط الله تعالى وما صار إليه الناس من ألوان العذاب وشدة نقمته عليهم، وسمعت زفيرهم في النار وشهيقهم مع كلوح وجوههم وطول غمهم وتقلبهم في دركاتها على وجوههم، ولا يسمعون ولا يبصرون، ويدعون بالويل والثبور، وأعظم من حسرة إعراض الله عنهم وانقطاع رجائهم وإجابته إياهم بعد طول الغم، بقوله: (اخسئوا فيها ولا تكلمون) [1] .

ثم قال له: لا تأمن على شيء من أمرك من لا يخاف الله، فإنه بلغني عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال (شاور في أمرك الذين يخافون الله) [2] ، احذر بطانة السوء وأهل الردى على نفسك فإنه بلغني عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (ما من نبي ولا خليفة إلا وله بطانتان بطانة تأمره بالمعروف وتنهاه عن المنكر وبطانة لا تألوه خبالًا [3] .. ) [4]

ثم قال: لا تجر ثيابك فإن الله لا يحب ذلك، فقد بلغني عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال (من جرّ ثيابه خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة) [5] أطع الله في معصية الناس ولا تطع الناس في معصية الله، فقد بلغني عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق) [6] ، إلى آخر تلك الرسالة العظيمة الجريئة، التي احتوت على كل معاني الإيمان، والدعوة إلى التمسك بأحكام الإسلام وحدوده وآدابه، وهي موعظة حقًا تجل منها القلوب ونصيحة صادقة تذرف عليها العيون، وتقرب المسلم من ربه لتنال رضاه، إن انتصح بها، واستمع إليها، وجعلها موضع التطبيق والتنفيذ، وقد تقبلها الرشيد بقبول حسن -وشكر الإمام مالكًا عليها، وتلك من صفات الحاكم المسلم، ونستمع إلى نصيحة أخرى إليه، جاءت من الإمام أبي يوسف القاضي-.

إذا لم يفت هذا القاضي الجليل من تقديم النصيحة للرشيد في مقدمة كتابه الخراج الذي وضعه بناء على طلب الرشيد جاء في مقدمة هذا الكتاب ..

يا أمير المؤمنين: إن الله وله الحمد، قد قلدك أمرًا عظيمًا ثوابه أعظم الثواب وعقابه أشد العقاب، قلدك أمر هذه الأمة، فأصبحت وأمسيت وأنت تبني لخلق كثير، قد استرعاكهم الله، وائتمنك عليهم، وابتلاك بهم وولاك أمرهم، وليس يلبث البنيان إذ أسس على غير التقوى أن يأتيه الله من القواعد فيهدمه على من بناه وأعان عليه، فلا تضيعن ما قلدك الله من أمر هذه الأمة والرعية، فإن القوة في العمل بإذن الله، لا تؤخر عمل اليوم إلى غد، فإنك إذا فعلت ذلك أضعت، إن الأجل دون الأمل فبادر الأجل بالعمل ..

فإنه لا عمل بعد الأجل، إن الرعاة مؤدون إلى ربهم ما يؤدي الراعي إلى ربه، فأتم الحق فيما ولاك الله وقلدك ولو ساعة من نهاره، فإن أسعد الرعاة عند الله يوم القيامة راعٍ سعدت به رعيته، ولا تزغ فتزيغ رعيتك، وإياك والأمر بالهوى والأخذ بالغضب، وإذا نظرت إلى أمرين، أحدهما للآخرة والآخر للدنيا فاختر أمر الآخرة على أمر الدنيا، فإن الآخرة تبقى والدنيا تفنى، وكن من خشية الله على حذر، واجعل الناس عندك في أمر الله سواء، القريب والبعيد، ولا تخف في الله لومة لائم، واحذر فإن الحذر بالقلب وليس باللسان، واتق الله فإنما التقوى بالتوقي ومن يتق الله يتقه ...

(1) آية 108 من"سورة المؤمنون".

(2) رواه البيهقي في شعب الإيمان برقم 9441.

(3) [الخبال: الفساد] .

(4) حديث صحيح، أخرجه الترمذي وقال: هذا حديث حسن صحيح غريب. وأخرجه النسائي وأحمد، وقال شعيب الأرنؤوط: إسناده صحيح على شرط الشيخين. أهـ

(5) متفق عليه.

(6) تقدم تخريجه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت