الصفحة 3 من 146

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن دعا بدعوة الإسلام، حتى قيام الساعة.

حفلت الدولة الإسلامية، في تاريخها الطويل، بمآثر جليلة سجلها العلماء في مواقفهم الخالدة والفذة مع الحكام، تلك المواقف التي اتسمت بالصدق والجرأة، والإخلاص لله ولدينه الحنيف، فكانوا نجومًا وضّاءة يهتدي بهم الحكام والمحكومون في ظلمات الحياة ..

لقد أظهر العلماء في تلك العصور، عزة الإسلام، وأبانوا فيها حقيقة الشريعة الإسلامية الغراء، صافية نقية مكينة، في صلابة موقفها من الحكام المنحرفين عنها ولو قيد أنملة، وفي معالجتها لجميع شؤون الدولة التي يرأسها الحكام ويخضع لسلطانها المحكومون، كاشفين للعالم أجمع أثر صلابة الإيمان بالشريعة الغراء في النوازل والخطوب، متحملين بصبر وشجاعة، ما ينتج عن الجهر بكلمة الحق عند سلطان جائر، غير هيابين سلطان الحكام، ولا قوة الدولة ولا صولة الجند ...

ولا غرابة في ذلك، فهم أهل لهذه المواقف لأنهم حملة لواء الشريعة الإسلامية الحقيقيون.

إن الحكام الظالمين الذين تولوا أمر الإسلام حينًا من الدهر، لم يستطيعوا البتة تسخير العلماء الأبرار لتنفيذ أهوائهم أو السير في ركابهم المعوج مع ما أوتوا من قوة بأس وشدة جبروت، وتمكين في النيل.

وكيف لا يكون ذلك، وقد نهي العلماء والمسلمون أجمع، أن يركنوا إليهم لقوله تعالى:

(وَلاَ تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ) [1] .

لذلك نجد منهم المحاسبين للحكام، المنكرين عليهم سوء أفعالهم، وقبيح تصرفاتهم وفساد أقوالهم.

كما نجد منهم، الناصحين لهم، الرافضين منحهم، الصابرين على محنهم.

ومنهم المعرِضون عن مواجهتهم، والساعون لهذه المواجهة بقصد إسماعهم مقالة الإسلام صريحة جريئة لا غموض فيها ولا كنايات!! ولا استعارات ولا ذبذبة!! حيث لا يخافون لومة لائم.

ثم نراهم الركع السجد في سجون الحكام، يلتمسون رحمة الله، وطلب رضاه. يكتبون ويؤلفون ويهدون الناس إلى الطيب من القول، خدمة للإسلام ورعاية للمسلمين. وهذا ما ينفعهم في دنياهم وأخراهم.

مستحضرين قول رسولهم القدوة الحسنة صلى الله عليه وسلم:

(إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث ... أو علم ينتفع به ... الحديث) [2] لأنهم شموع تضيء وسرج تنير أينما حلوا.

أما في الجهاد ومقاتلة الأعداء، فهم في مقدمة الجند وعلى رأس النفيضة.

وهكذا أثبت العلماء من قبل، أن وجودهم هو من أجل الإسلام وحده، وأنهم حقًا (ورثة الأنبياء) [3] وسيرى القارئ الكريم، صدق هذا القول جليًا في حوادثهم ومواقفهم مثبتًا بين طيات هذا الكتاب.

ذهبت الدولة الإسلامية: إذ استطاع الكافر المستعمر أن يقضي عليها -في غفلة من الأمة- بوسائله الاستعمارية الماكرة، وخيانة أبناء من أمتنا، الذين انطبعوا بثقافته الاستعمارية الكافرة، واستجابوا لإغرائه، وصدقوا وعوده البراقة:"وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلاَّ غُرُورًا" [4] .

(1) آية 113 هود.

(2) قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له) أخرجه مسلم.

(3) عن أبي الدرداء-رضي الله عنه-قال: سمعت رسول الله-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-

يقول: (فضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب، وإن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا دينارًا ولا درهمًا، ولكنهم ورَّثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظ وافر) أخرجه أحمد في (مسنده) (5/ 196) ، وصححه أحمد شاكر.

(4) آية 120 سورة النساء.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت