الصفحة 4 من 146

بعد أن كانت هذه الدولة: الدولة الأولى في العالم، قرابة ألف سنة أو تزيد، حيث انتزعت زمام القيادة من دولتي الفرس والرومان ومن شايعهما ودار في فلكهما. حتى وصلت إلى درجة أنها إن أشارت إلى الشرق يطأطئ وإن أشارت إلى الغرب يومئ، وأضحت زهرة الدنيا حضارة ومدنية ورقيًا، فاتجهت إليها الأنظار، وارتحل إليها أبناء الأقطار، يرتشفون من معينها الذي لا ينضب، ويستظلون بلوائها، إلى أن ترك المسلمون -حكامًا ومحكومين- حمل رسالتهم الخالدة، وتقاعس العلماء عن أداء مهمتهم، وتباطأوا عن حمل لواء شريعتهم بعد أن وقع اللواء ... فانتقلوا من مركز القيادة إلى درك التبعية وصار المسلمون -حكامًا ومحكومين- يرددون ما يقوله أعداؤهم الحاقدون الكافرون المستعمرون الملحدون من شرق وغرب، عن إسلامهم، دون أن يقف علماؤهم الموقف المطلوب شرعًا من ذلك.

إن الإسلام اليوم: يريد من المسلمين -خصوصًا معشر العلماء- وهم على مفترق الطرق، أن يبذلوا أقصى الجهد ومنتهاه، في بيان أحكامه بصراحة وجرأة وحمل الدعوة إليه، جاعلين وجودهم قائمًا على أساسه. فإذا هم لا ينصرون حقًا ولا يمنعون باطلًا، ولا يأمرون بمعروف، ولا ينهون عن منكر، ولا يحاسبون حكامًا ولا ... فما فائدة وجودهم إذن .. ؟ وكان بطن الأرض خيرًا لهم من ظهرها.

والعلماء الذين قصروا تجاه إسلامهم، فهزموا في المعركة معركة الإسلام والكفر، عليهم أن يقتفوا أثر السلف الصالح من العلماء العاملين ليجعلوا من الفشل الذي حاق بهم نصرًا مبينًا ليعيدوا إلى الإسلام سيرته الأولى باستئناف حياة إسلامية، يعز بها الدين وعلماؤه وأتباعه، ويخذل بها الكفر وجنده وأنصاره.

ولنعد جميعًا إلى الله تعالى أولًا فعنده النصر المبين إن أخلصنا النية له، واتبعنا شرعه، ثم نقوم مستفرغين كل جهودنا لحمل راية الإسلام، وإقامة حكم القرآن، مضحين في سبيل إعلاء كلمة الله، ولو كره الظالمون والكافرون. ولنبتعد عن الكسل، ونذهب عن نفوسنا الاستكانة وننزع عنها حب السلامة التي سيطرت على بعضنا. فليست تلك والله من شيم العلماء الأبرار حملة الشريعة السمحاء، واتباع سيدنا محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم.

وليكن علماؤنا اليوم حقًا ورثة الأنبياء. يوزعون على المسلمين حكامًا ومحكومين ميراث نبيهم الكريم بالقسطاس المستقيم. لا ظالم فيه ولا مظلوم.

إن الإسلام اليوم، يريد من الحكام، الذين تولوا أمر المسلمين في بلادهم من أقصاها إلى أقصاها، أن يعودوا إلى أنفسهم فيحاسبوها على ما فرطت في جنب الإسلام ..

وليعلموا أن حكمهم مهما طال، فإنه قصير في عمر أمتهم الطويل، وأيام العمر تمضي سراعًا، وضمة القبر بفتنته وسؤاله آتية لا ريب فيها، وحساب الله عسير. وعليهم أن يرجعوا إلى الإسلام الذي يدعون الإيمان به والانتساب إليه فالإيمان يعني التقيد بأوامره. وتحليل حلاله وتحريم حرامه، وتطبيق أحكامه في جميع شؤون حكمهم، وحمل الدعوة إليه، والقتال في سبيله، وإلا كان إيمانًا لا ينفع لا في دنيا ولا في أخرى.

وصدق فيهم قوله تعالى (وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ، يُخَادِعُونَ اللّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنفُسَهُم وَمَا يَشْعُرُونَ) [1] .

لقد اعتز العلماء والحكام بالإسلام، حينما أدى كل منهما واجبه نحوه.

ولكن حين ضيع الإسلام بالقعود عن حمل الدعوة إليه، والتضحية في سبيله. وبالإعراض عن تطبيقه، والحكم بغيره، صار حالنا ما نرى اليوم في جميع دنيا الإسلام، من ذهاب عز ومجد، وفقدان كرامة وسيادة، حتى طمع فينا أراذل القوم ..

(1) آية 8و9 سورة البقرة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت