(رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ) [1]
-قرآن كريم-
من سنة الله تعالى في خلقه: أن يقع النزاع بين الفجور والتقوى، وأن تكون الغلبة للتقوى في نفس من هدى الله، والخسران للفجور في نفس من أضل الله. ولذلك ومنذ القدم كان ولا يزال التنازع يقع بين الخير والشر والعدل والظلم والحق والباطل، فمنذ أن عصى إبليس أمر ربه في السجود لآدم، بدأ الشر المتمثل بإبليس يتنازع مع الخير المتمثل في أمر الله تعالى، ولكن مهما طال النزاع واشتد، ومهما كسب الشر من نصر، فالبقاء للخير لأنه الأصلح، ولأن سنة الخالق العظيم قضت بذلك:
(وَقُلْ جَاء الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا) [2] (وَلَوْلاَ دَفْعُ اللّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ) [3] ، أي فولا دفع الله بعض الناس عن المنكرات والمعاصي بسبب البعض لفسدت الأرض.
ولا ريب أن الدافعين هم العلماء والفقهاء القائمون بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأن أمر الله هو الحق والعدل والخير، وأن هوى إبليس هو الباطل والظلم والشر، ومن اتبع هوى إبليس كان من جنده وأنصاره وعبيده، لذلك وقع النزاع بين العلماء والحكام: وقد النزاع بين من يحمل أمر الله وبين من يتركه وراء ظهره، وكلما اشتد النزاع ثبت العلماء والسائرون على هديهم، وتفنن الحكام الظالمون في وسائل الكيد بهم، لإخماد صوت الحق والخير والعدل وابتدعوا مختلف الوسائل لتحقيق ما يريدون، ومن ذلك فرض الإقامة الجبرية أو سجنهم أو نفيهم أو الحكم عليهم بالموت.
وإن استطاع الحكام أن يحبسوا أجسام العلماء فإن قلوب تلك الأجسام وعقولها، كانت منطلقة تعرج تارة وتحط أخرى في ساحات التفكر ومواطن التأمل، ولم ولن يستطيع الحكام أن يعرقلوا عروجها أو ينكبوا سيرها، مهما أوتوا من براعة وخبث في ثقل القيود والأصفاد.
إذن فلتكن السجون للعلماء، ما داموا يحملون قلوبًا خاشعة لرب العالمين، وعقولًا مفكرة في آلاء الله ونعمه. وأعظم تلك النعم على الإطلاق -الدين- الإسلام الشريعة، التي يحملون رايتها.
أما العلماء فقد كانوا يتلقون تلك الأوامر الجائرة بصدر رحب راضين بقضاء الله تعالى، صابرين على هذه المحن وتلك الابتلاءات التي ترفع درجاتهم نحو الفردوس الأعلى، أو تمحوا لهم سيئاتهم:
(يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَامُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ) [4] .
إن تلك السجون كانت للعلماء عملية صهر وسبك خرجوا كالكبريت الأحمر. ولنقرأ جميعًا قول سلطان العلماء العز بن عبد السلام وهو يتلقى أمر الحكم، حين بلغه به الوزير بالإقامة الجبرية في داره، وأن لا يفتي ولا يجتمع بأحد.
(1) آية 33 من سورة يوسف.
(2) آية 81 سورة الإسراء.
(3) آية 251 سورة البقرة.
(4) آية 17 سورة لقمان.