لم تعقم الأمة الإسلامية، وهي الودود الولود، من إنجاب علماء عاملين، أو شخصيات إسلامية، جمعوا بين العلم الغزير والرجولة الحقة، بعد أولئك الذين امتحنوا في دينهم، وعذبوا من أجل إسلامهم، الذين أحبوا الموت في سبيل الله، كما أحب غيرهم الحياة، من علماء السلف الصالح رضوان الله عليهم، بل لم يضن الله سبحانه وتعالى، وهو الجواد الكريم، على عباده المؤمنين، بأن جعل منهم صفوة طيبة، من أهل العلم والمعرفة في كل حين، تنذر وتبشر، وترشد وتعلم، تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، تمنع الظلم، وتنصر المظلومين، وتبين طريق الفلاح والنجاح، طريق الإسلام المستقيم، سالكة درب أولئك العلماء الرجال، في طريق حمل الدعوة الإسلامية، وتحكيم شرع الله في كل علاقات المجتمع، علاقات الدولة، وعلاقات الأفراد والجماعات، محاسبين الحكام ناصحين الرعاة، واقفين بشجاعة بوجه الكافر المستعمر، وعملائه وأذنابه، من حكام الظلم والسوء، من الذين فرطوا في جنب الإسلام، وساموا أمته عذاب الهون.
وإني حين ذكرت محن أولئك السادة العلماء، من أئمة الدين، ومشايخ الإسلام، لم أقصد بذلك حصرها فيهم، ووقوفها عند حدهم، وإنما قصدت الاستشهاد والتمثيل، للعبرة والاتعاظ ... فقد تتابعت المحن تترى، نازلة بالعلماء، على اختلاف نوعية تلك المحن، في كل عصر: وفي كل مصر، من أرض الإسلام المباركة، وستبقى المحن تنزل بالعلماء الرجال، ما دام هناك حكام تركوا الحكم بما أنزل الله. وتضيق صدورهم في المطالبة به، وحمل الدعوة إليه، وما دام هناك علماء يؤدون واجبهم الشرعي، وينطبق عليهم وصف العلماء الذين يريدهم الإسلام.