الصفحة 123 من 146

(وصار الجناة من السارقين وقطاع الطريق، يؤدون العبادة ويسجدون للحيّ القيوم سبحانه وتعالى، وأصبحوا يأتمرون بأوامر الشيخ، وظهرت عليهم الصفات الخلقية الكريمة. فتنبه لذلك مدير السجن، وكتب إلى الملك رسالة خاصة يخبره فيها أن المحبوس الشيخ السرهندي، ليس من شأنه أن يحبس، وإنما هو ملك قلما ينجب الدهر مثله، فإن رأى الملك أطلقنا سراحه وأكرمناه بما يستحقه، فندم الملك على ما ظهر منه من بوادر الشدة في شأن الشيخ، وأمر بإحضاره إلى مقر المملكة، ولما بلغه خبر دنوه من العاصمة، بعث الأمير(خوم) ولي عهد المملكة .. لاستقباله والترحيب بمقدمه [1] ..

كل ذلك فعل لأنه تحرى أخبار الشيخ بنفسه ودرس حياته، فوجد به العالم العامل والشيخ الصادق، فأخذ يكسب وده، ويتقرب إليه.

عاد الشيخ منصورًا، فقد أدى واجبه في السجن، وها هو يؤدي واجبه الشرعي عند الملك.

دخل الشيخ عليه، وأعاد التحية بالسلام: فرد الملك التحية وتلقاه بالترحاب .. والاعتذار ..

كان يوم هذه المقابلة في ليلة رمضان المبارك، وأبى الملك إلا أن يضيف الشيخ عنده في هذا الشهر الكريم. ورجاه أن يسمعه ما يدور في خاطره، وأن يحدثه عما يريد، وأن يخبره بحقيقة دعوته، فاستجاب الشيخ مستبشرًا بذلك، فهذا يوم طالما تمناه ..

قضى الشيخ شهر رمضان في ضيافة الملك، وفي بلاطه، محدثًا إياه عن الإسلام وعدله، شارحًا له واقع الخلفاء، والصالحين الذين تولوا حكم المسلمين. وقد وهبه الله صدقًا في اللهجة وحسنًا في التعبير، وسلامة في العرض والملك ينصت له، فبدأ الصلاة خلفه، وأقام صلاة التراويح، وأخذت أصداء آيات القرآن الكريم تجلجل في رحاب القصر، وعاش الملك في جو روحي عبق، حتى استطاع الشيخ بفضل الله وتوفيقه أن يغير قلب الملك وفكره. فأحب الإسلام واعتقد به، وأعلن ذلك للأمة بمرسوم أصدره يحمل الأوامر التالية:

1 -تحريم السجود للملك.

2 -الإذن بذبح البقر.

3 -تعيين القضاة ورجال الحسبة في كل بلد.

4 -إعادة بناء المساجد المهدمة.

5 -إبطال القوانين المعارضة للشريعة الإسلامية [2] .

وهكذا أخذ الولد الصالح المؤمن ينقض ما أبرمه الوالد الكافر الفاسد، حسب قول الشيخ وأمره، ولقد صدق من قال:

إن الملوك لتحكم على الورى وعلى الملوك لتحكم العلماء

استأذن الشيخ الملك الصالح، بالرجوع إلى بلده فأذن له معززًا مكرمًا، فعاد الشيخ إلى زاويته بسرهند، مستمرًا على النصح والإرشاد، يعلم أتباعه ومريديه، وليحملوا رسالته، وليواصلوا من ارتقاء سلم الكمال بالدولة نحو الإسلام، بعد أن تركها الشيخ في وضع حسن، أمن المسلمون فيها على دينهم وزال عنهم ما أصابهم من هم وغم، ومحن واضطهاد.

وقد حمل الشيخ أمانة الإسلام، في حمل دعوته وتحكيم شرعه في أعناق خلفائه وأولاده الذين تولوا الأمر بعده. مات الشيخ وعمره عمر نبيه صلى الله عليه وسلم راضيًا مرضيًا وسيكون إن شاء الله معه في جنة الخلد: (والذين جاهدوا فينا لنهديهم سبيلنا وإن الله لمع المتقين) [3] .

(1) [ص25 النظرة الإجمالية للأستاذ مسعود الندوي] .

(2) [ص25 المصدر السابق.

مات رحمه الله سنة 1034، وله من العمر 63 عامًا].

(3) آية 69 من سورة العنكبوت.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت