الصفحة 122 من 146

"إن الملك -الجديد- قد أفسده المفسدون فثار على الدين وانحرف عن الجادة، ولكن ليس هو الدولة كلها، وليس هو الشعب كله، وقد كتب عليه الموت، وهو خاضع للسنن الإلهية، فيموت ويخلفه غيره، فلا بد أن أؤدي رسالتي وأتصل ببلاطه وأركان دولته، ولا موجب للقنوط من الفطرة الإنسانية، فالصلاح فيها أصيل، والفساد عليها طارئ، فلأجرب ولأحاول، وإن الله ناصر من نصره، وخاذل من خذله [1] ".

بتلك الروح العالية وبهذا الفهم الصحيح، أخذ يتصل ويكاتب (أمراء الجيش ورؤساء الدوائر الحكومية، ممن آنس فيهم رشدًا، ينبههم من نوم الغفلة، ويلفت أنظارهم إلى ما أتت به الفتنة الكبرية، من مصيبة وبلاء للدين الحق، وما جرته من وبال على المسلمين [2] .

ولنقرأ رسالته إلى قائد (من قواد الجيش الركن الأعظم للدولة في عهد جهان كير- خانخاتان- .. أن ميدان البطولة الإسلامية لا يزال خاليًا ينتظر فارسًا من فرسان الإسلام. فهل تسبق إلى هذه السعادة، وتحرز قصب السبق، وتنصر هذا الدين المظلوم، وتغضب لهذا الحق المهضوم، وتبلغ بجهادك إلى حيث لا يبلغه المتعبدون الصائمون القائمون. فمهلًا يا أهل الغيرة والفتوة ويا أهل الشهامة والمروءة [3] .

وما أن سمع رجال حاشية الملك جهان كير، بتلك الرسائل، حتى أخذتهم العزة بالإثم، ورأوا في وجود الشيخ رحمه الله خطرًا عليهم وأن اتصالاته المريبة يخشى منها على الدولة، وعلى الملك نفسه، فأوغروا صدر الملك عليه وهمسوا في أذنه، خطر دعوة الشيخ واتصالاته، وأشاروا عليه -كائدين- أن يطلبه إلى البلاط، ويمتحنه بذلك تكون المحنة ... وبهذا يقضي عليه وعلى دعوته: تلك هي المكيدة. وهذه هي المؤامرة.

لأن رجال الحاشية الملكية، وجلاوزة الملك، يعرفون حقا، صلابة الشيخ في إيمانه وقوة عوده في يقينه، وجرأته في مخالفته لما عليه الملك في أحواله الخاصة والعامة، فلا تلين له قناة، ولا يجامل أحدًا، ملكًا كان أو مملوكًا، راعيًا أم رعية، وسوف لا يسجد للملك عند المقابلة، كما يقتضي العرف الديبلوماسي المقيت، وإن سأله الملك، فستكون أجوبته جريئة صريحة، ولن ترضي الملك، فتقع المحنة، ويصيبه شررها من اضطهاد ونحوه.

وافق الملك على إشارة رجال حاشيته، واستدعى الشيخ إلى قصره وبلاطه فاستجاب الشيخ، ولكنه رحمه الله كما قال الكائدون، عندما دخل قصره، نبهه إلى السجود، فامتنع: ودخل مسلمًا بتحية الإسلام، فاستشاط غيظًا وغضبًا وقام هائجًا. وسأل منكرًا ما هذا؟ أخرجوه، وأمر باعتقاله في الحال. وأخذ مخفورًا، وطرح في سجن حصن كواليار في قلب مدينة الهند.

لبث الشيخ في السجن بضع سنين يشتغل بالعبادة ويدعو المسجونين معه إلى الإسلام. فأسلم على يده كما جاء في دائرة المعارف الإسلامية مئات المسجونين [4] .

(1) [مجلة المسلمون ص625 و627. مقال للأستاذ ابن الحسن الندوي] .

(2) [ص24 نظرة إجمالية في تاريخ الدعوة الإسلامية في الهند والباكستان. للأستاذ مسعود الندوي] .

(3) [مجلة المسلمون ص625 و627. مقال للأستاذ ابن الحسن الندوي] .

(4) [المصدر السابق للأستاذ ابن الحسن الندوي] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت