الصفحة 76 من 146

لقد جرت سنة الله سبحانه وتعالى في خلقه أن يفتنهم ويختبرهم، ليميز الخبيث من الطيب.

(الم، أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ، وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ) [1] .

ولقد اعتاد الظالمون من الحكام، أن يضطهدوا الذين يخالفونهم في سلوكهم المنحرف، ويناهضونهم في أفكارهم الباطلة، ولم يسايروهم في أهوائهم، وينزلوا بهم، أنواع المحن، بعد أن أعرضوا عن أشكال المنح التي قدمها الحكام إليهم، في ذلة وصغار، ولكن أنّى للنفوس الكريمة، ذات المعدن الطيب أن تغرى بمال، أو يسيل لعابها على فتات الدنيا، أو تستمال بعرض زائل من الحياة.

أما المحن فقد استعدوا لها. وتحملوا نارها بصبر وجلد، وصابروا شدة بأسها بعزم واحتساب لأنهم فقهوا قول الله تعالى: (قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَّوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ) [2] وآمنوا بقول الخالق العظيم:

(وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاء مَرْضَاتِ اللّهِ وَاللّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ) [3] . وكان أئمة المسلمين من السادة العلماء الذين اشرأبت الأعناق إليهم إجلالًا وتقديرًا وولاء، في مقدمة الذين أصابتهم المحن ونزلت بهم الشدائد الصعاب فخرجوا منها ظافرين ظاهرين، مصداقًا لقول النبي الكريم صلى الله عليه وسلم.

(لا تزال طائفة من أمتي على أمر الله لا يضرها من خالفها) [4] .

وقوله (لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق حتى تقوم الساعة) [5] نعم انتصروا بعد ما ظلموا. وظفروا من بعد محنهم وظهر الحق الذي آمنوا به. ولو استشهد بعضهم في سبيل ذلك، لأن النصر الحقيقي هو، نصر العقيدة أو ظهور الحق جليًا للعيان، الذي كان سببًا في تلك المحن ولأن البقاء في الدنيا هو للعقيدة والحق أما الممتحنون فلهم بقاء الذكر الجميل لهم على مر الدهور. وهذا كائن ولو لم يخطر ببالهم لأنهم أخلصوا العمل والتضحية لله وحده، بل البقاء الأكبر الذي يرجونه هو بقاء السعادة واستمرار النعيم في دار الخلد والتفيؤ بظلال الجنة ونوال رضوان الله في الآخرة وهذا هو البقاء الحق وللنصر المبين والظفر المنشود.

ولقد صدق الإمام ابن القيم في نوتيته حيث يقول:

والحق منصور وممتحن فلا ... تعجب فهذه سنة الرحمن

وبذاك يظهر حزبه من حربه ... ولأجل ذاك، الناس طائفتان

إن المراد بهذه الفصل -العلماء ومحن الحكام- هو بيان المحن التي أنزلها الحكام بالعلماء ظلمًا وعدوانًا، إما بتحرش منهم، لأن الحكام يزعجهم وتكرب نفوسهم أن يكون بين ظهرانيهم علماء لهم من الإحساس المرهف، والتفكير المستنير ما يجعلهم واقفين بالمرصاد لكل من تصرفاتهم، قادرين على كشف تلك التصرفات للأمة لتعرفها، فتحدد موقفها من ذلك، فينزل الحكام بهم المحن، للقضاء على جانب المعارضة والإنكار. وإما أن يُسمع العلماء، مقالة الإسلام بكل جراءة وشجاعة، فتضيق بذلك صدورهم، ويبطشون بهم. وأما الحكام يحملون العلماء على شيء، فيأبى إيمانهم ذلك، فيكون العقاب ويقع الأذى. وأما العلماء يعلنون مخالفتهم لنهج معين من سلوك الحكام، فيغضب الحكام وتثور ثائرتهم، وتنتهي هذه الثورة بالحبس أو الضرب المبرح. وأما العلماء يرفضون منحة حاكم، أو قربًا دعوا إليه فيحصل التعذيب لأن طلب الحكام لا يرد مهما كان، ذلك هو فهمهم السقيم.

(1) الآيات 1 - 3 العنكبوت.

(2) آية 81 من سورة التوبة.

(3) 207 من سورة البقرة.

(4) متفق عليه.

(5) متفق عليه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت