ومحن الحكماء لعلمائنا الأبرار التي سنذكرها هي من هذه الأنواع، وهي التي يحتاجها اليوم الصنفان من الناس العلماء والحكام، لأخذ العبرة. وهل هناك عبرة أعظم من أن نذكر علماءنا الأبرار الذين ضحوا بأنفسهم وتحملوا العنت والسوء، فنترحم عليهم ونذكرهم بخير كلما مرت أسماؤهم، أما أولئك الحكام الذين ساموا علماءنا سوء العذاب، فلهم الخزي وعليهم الإثم .."وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ" [1] . إن العلماء الذين امتحنوا في دينهم ومن اجل إسلامهم كثيرون، فذكر بعضهم يغني، وإن كانت النفس والفكر تتوقان إلى تعدي البعض والمزيد فيه ...
لذا فقد اخترت -أولًا- ذكر المحن التي أصابت الأئمة الكرام الذين أجمعت الأمة الإسلامية على اتباع نهجهم في فهمهم الإسلام، وهم الإمام جعفر الصادق، الإمام أبو حنيفة النعمان، الإمام مالك بن أنس، الإمام محمد بن إدريس الشافعي، الإمام أحمد بن حنبل، الإمام البخاري، الإمام أحمد بن تيمية، ليرى المعتقدون بصحة نهجهم، والسالكون طريقهم في الفهم، ما كان عليه أئمتهم الكرام رضوان الله عليهم، ليكون الإيمان بنهجهم كله، وبجميع جوانبه، وذلك هو الاقتداء الحق، والاتباع الصحيح.
ثم إني -ثنيت- بذكر محنة إمامين من الذين سبقوهم بالإيمان وهما سعيد بن مسيب وسعيد بن جبير ومثلهما من الذين اتبعوهم بإحسان العز بن عبد السلام وأحمد السرهندي لتكمل العبرة، وتحسن الذكرى، وإن كانت المحن بقيت قائمة يصبها الظالمون من الحكام على علمائنا (الرجال) إذ لم يخل منها عصر مما فات، ولعلها لن تنقطع حتى قيام الساعة والخروج من هذه الدنيا، ما دام في الحياة علماء أبرار يقولون الحق ولا يخافون في الله لومة لائم، وما دام الحكام ظالمون، يعملون لإضلال الأمة ويفسدون في الأرض.
وأرى من الأمانة العلمية للتاريخ الإسلامي أن أؤكد المعنى الذي أشرت إليه، وإني على ذكر حوادث مهمة من التاريخ الإسلامي، إذ أنها تتعلق برؤساء الدولة الإسلامية وعلمائها الأبرار، في فترات من عصورها الزاهرة، هي أن الحكام الذين أنزلوا المحن الشديدة بالسادة العلماء، ما كانوا بالحقيقة، وواقع الأمر، يكرهون الإسلام، ولا يأبون السير وفق هداه، إذ أنهم لم يطبقوا غيره وإن أساء بعضهم فيه، ولكن قد أصابتهم فتنة الحكم والسلطان وما أعظمها وما أكثرها ..
وأن الإنسان سوى الأنبياء غير معصوم من الوقوع في الخطأ، وارتكاب الإثم، لذلك فقد تعثر هؤلاء في سيرهم وأصابهم بعض التنكب في سلوك النهج الصحيح، والعلماء تجاه هذا أنكروا عليهم تعثرهم، وعارضوا تنكبهم إذ قاسوهم بالخلفاء الراشدين، الذين هم المثل الأعلى للحكام المسلمين بعد الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم، فظهر البون بينهما، فكان الصراع بين الحكام والعلماء وكانت المحن ...
فعلى كل فهم حكام مسلمون، ودولتهم التي كانوا عليها دولة إسلامية، ولم تشقى الأمة الإسلامية، ولم يتمكن أعداء الإسلام من النيل منه إلا حين ذهبت دولة الإسلام، وانطمست معالمها من الوجود.
والعلماء مأجورون على مواقفهم الصلبة تجاه الإسلام، ومشكورون على تضحيتهم في سبيل إعزاز الدين ورفع لوائه خفاقًا بالنصر المبين.
والحكام الذين أساءوا إليهم وظلموهم نكل أمرهم إلى الله تعالى مرددين قوله الكريم:"تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ وَلاَ تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ" [2] .
(1) آية 227 الشعراء.
(2) آية 141 سورة البقرة.