الصفحة 78 من 146

لا تملأوا أعينكم من أعوان الظلمة إلا

بإنكار من قلوبكم لكي لا تحبط أعمالكم. [1]

-ابن المسيب-

عجز عبد الملك بن مروان بما أوتي من دهاء، أن يجر إلى صفوفه سيد التابعين، من جمع بين العلم والعبادة، والتقوى والورع، سعيد بن المسيب رضي الله عنه.

قال سعيد: (حججت أربعين حجة [2] .. وما فاتتني التكبيرة الأولى منذ خمسين سنة وما نظرت إلى قفا رجل في الصلاة منذ خمسين سنة) ..

وهو القائل: (ما أعزت العباد نفسها بمثل طاعة الله. ولا أهانت نفسها بمثل معصية الله) ..

إن دهاء عبد الملك وشراكه لم توقع سعيدًا فيها. وإن وده .. وتذلله لم تنطل على سعيد لينال رضاه، وكلما التمس عبد الملك قربًا أو كسب ودًا من سعيد كان الإعراض نصيبه، والإنكار على أفعاله حليفه.

(دعي إلى نيف وثلاثين ألفًا ليأخذها فقال: لا حاجة لي فيها ولا في بني مروان حتى ألقى الله فيحكم بيني وبينهم) [3] .

مرت الأيام .. فتقدم عبد الملك إليه يرجو منه أن يزوج ابنته لابنه الوليد حين استخلفه، ولكن سعيد يرفض، ويأبى هذا القرب! وينفر من هذه المصاهرة بإباء وشمم، إباء العلماء وشمم الأتقياء .. غير مبال بما يجلب عليه هذا الرفض من بأس وأذى. لأنه قرب ومصاهرة لم يرد بها وجه الله والدار الآخرة، وعصمة النفس من الشهوات الفاسقة.

وأمام هذا الرفض لابن أمير المؤمنين، فإنه يزوج بنفسه طالب العلم في حلقته بمسجد الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم أبا وداعة من ابنته الفقيهة العابدة. وإليكم الحادثة كما جاءت عن الزوج الكريم ..

(قال أبو وداعة كنت أجالس سعيد بن المسيب ففقدني أيامًا، فلما جئته قال: أين كنت؟ قلت: توفيت أهلي فاشتغلت بها، فقال: هلا أخبرتنا فشهدناها، ولما أردت أن أقوم قال: هلا حدثت امرأة غيرها. فقلت: يرحمك الله، ومن يزوجني وما أملك إلا درهمين أو ثلاثة؟ قال: إن أنا فعلت تفعل؟ قال نعم. ثم حمد الله وصلى على نبيه صلى الله عليه وسلم وزوجني(ابنته) على درهمين ... وفي مساء ذلك اليوم وإذا بالباب يقرع فقلت: من هذا؟ قال: سعيد. ففكرت في كل إنسان اسمه سعيد إلا سعيد بن المسيب، فإنه لم ير منذ أربعين سنة إلا ما بين بيته والمسجد، فقمت وفتحت. وإذا بسعيد بن المسيب، فظننت أنه بدا له -أي ظهر له رأي غير الذي رآه فجاء يعتذر- فقلت فما تأمرني؟ قال: رأيتك رجلًا عزبًا قد تزوجت فكرهت أن تبيت الليلة وحدك، وهذه امرأتك، فإذا هي قائمة خلفه في طوله ثم دفعها في الباب ورد الباب) [4] ...

هذا فعل سعيد مع أحد أفراد المسلمين، مع طالب علم، وذلك فعله مع حاكم المسلمين بسطوته وسلطانه، فتأمل يا أخي.

وحين ذاك عجز عبد الملك وأُسقط في يده، فلم ينفعه دهاؤه، بل لم ينفعه اصطناع تقربه أو تزلفه.

ولكن ماذا فعل عبد الملك مع سعيد بعدئذ. هنا جاءت المحنة وحلت النكبة بسعيد ولكنه صبر عليها واحتسب ذلك عند الحي القيوم.

( .. قال يحيى بن سعيد، كتب هشام بن إسماعيل والي المدينة إلى عبد الملك بن مروان أن أهل المدينة قد أطبقوا على البيعة للوليد وسليمان إلا سعيد بن المسيب.

(1) حلية الأولياء 2/ 170.

(2) سير أعلام النبلاء 4/ 222.

(3) الطبقات لابن سعد 5/ 128.

(4) الحلية 2/ 167، ابن سعد 5/ 138، والسير 4/ 233 - 235.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت