الصفحة 7 من 146

لم ترفل الأمة الإسلامية بالسعادة الحقة والرفاهية والأمن، ولم تشعر بالعزة والسيادة الكاملتين في الأرض إلا في ظل حكم الإسلام -ما في ذلك شك- ولم ترتح هذه الأمة من حكام بمثل ما ارتاحت حين تولى أمرها حكام مسلمون، آمنوا بالله واليوم الآخر وحافظوا على كتاب الله وسنة رسوله، ووقفوا عند حدودهما، والتزموا بأحكامهما. حضروا المساجد مع الرعية، وفتحوا لهم الأبواب، يكرمون الزائر، ويحترمون العالِم ويجلون الفقيه، يسمعون منهما النصح والإرشاد، ويتقبلون المحاسبة والإنكار، أما الجهاد في سبيل الله فقد كان رائدهم، لم يتخلوا عنه في أحلك الظروف التي مرت بهم، لأنهم آمنوا بقول الصديق الأعظم سيدنا أبي بكر رضوان الله عليه"ما ترك قوم الجهاد إلا ذلوا" [1] لذلك كثرة الفتوحات الإسلامية في زمانهم، وكانوا قادة الفتح الإسلامي العظيم، تلك الفتوحات التي أنقذت البلاد المفتوحة من جور الأديان وظلم الحكام وفساد المجتمع، ولا زالت آثار تلك الفتوحات العظيمة قائمة في العالم، وتلك حقائق ثابتة لا ينكرها إلا من خبثت طويته وفسد عقله وكان ذيلًا لأعداء الإسلام يردد ما يقولون ويصدق ما يفترون. كل ذلك من أجل الإساءة إلى الإسلام والطعن بحكمه العادل الذي ارتضاه المولى الكريم سبحانه وتعالى لعباده المسلمين.

إن بعض المؤرخين من سلف هذه الأمة، ذكروا حوادث لمظالم اقترفها بعض الحكام وإساءات ارتكبوها أثناء تطبيقهم لأنظمة الإسلام، لذا قام العلماء بواجبهم الشرعي فأنكروا تلك المظالم وعملوا على إزالة تلك الإساءات، ووقفوا المواقف الجريئة أمامهم في هذا السبيل، لأن العلماء، وهذا شأنهم في كل زمان، يريدون من الحكام أن يكونوا مطبقين لأحكام الشرع محسنين في تنفيذ أحكام الإسلام، فلا ظلم يقع ولا إساءة تحدث.

فإذا أحدث حاكم إساءة أو ارتكب مظلمة سواء أكانت عن سوء قصد أو عن نية حسنة، فإن من واجب العلماء أن ينكروا عليهم ذلك وأن يحاسبوهم عليه، حفظًا على بيضة الإسلام، ورعاية لشؤون المسلمين، بل يعتبرون ذلك نصرة لهم مصداقًا لقول الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم"أنصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا قلت يا رسول الله أنصره مظلومًا فكيف أنصره ظالمًا؟ قال: تمنعه من الظلم فذلك نصرك إياه" [2] .

ولم ينج الحكام من محاسبة العلماء لهم وإنكارهم عليهم، رغم ما كانوا عليه في أحوالهم بصورة عامة تجاه الإسلام، من تطبيق أحكامه ورعاية المسلمين على أساسه، والقيام بفريضة الجهاد، ولم يشفع ذلك لهم.

إلا أن بعض الحكام كانت تضيق صدورهم لهذه الأفكار، ولم يستسيغوا مواقف العلماء معهم، حرصًا منهم على هيبة الحكم وحبًا في السلطان، أو لغفلة ينسون الله فيها. وسبحان من لا يغفل. ولا يخطئ.

لذا فإن الحكام الذين عاصروا علماءنا الأبرار من الذين ذكرت أخبارهم وسطرت حوادثهم، وموقف العلماء منهم، قد حصل بهم خير كثير للإسلام وفضل عظيم للمسلمين إذ كانوا يطبقون الإسلام عقيدة ونظامًا، والدليل على ذلك:

أن الذي يطبق نظام الإسلام ويرعى عقيدته عمليًا، هما شخصان في الدولة، الأول القاضي الذي يفصل الخصومات بين الناس، ويخبر بالحكم على سبيل الالتزام، والثاني الحاكم الذي يحكم الأمة سواء سمي هذا الحاكم أمير المؤمنين أو الإمام أو السلطان.

(1) ذكره في شفاء الصدور عن أبي بكر مرفوعًا بلفظ: (ما ترك قوم الجهاد في سبيل الله إلا أذلهم الله) ، ورواه الطبراني عنه مرفوعًا بلفظ: (ما ترك قوم الجهاد إلا عمهم الله بالعذاب) ، قال الإمام ابن النحاس رحمه الله: رواه الطبراني بإسنادٍ حسن. أهـ (مشارع الأشواق 1/ 107) .

(2) أخرجه البخاري ومسلم عن أنس بن مالك رضي الله عنه مرفوعًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت