الصفحة 8 من 146

أما القاضي فمن الثابت بشكل قطعي أن جميع القضاة الذين تولوا القضاء منذ عهد الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم إلى انتهاء الحكم الإسلامي في الدولة العثمانية، كانوا يفصلون الخصومات المعروضة أمامهم وفق أحكام الإسلام، سواء أكان ذلك في القضايا الجزئية أم الحقوقية أم في قضايا الزواج والميراث مما سمي بالأحوال الشخصية. أم في البينات وسائر المعاملات، وكانت محكمة القضاء واحدة تقضي في كل الأمور حسب أحكام الشرع، ولم يرو أن محكمة قضائية في طول بلاد الإسلام وعرضها، قضت بقضية واحدة على غير أحكام الشرع، وأقرب دليل هو السجلات الخاصة بتلك المحاكم، والتي ما زالت محفوظة في العراق ومصر والشام والقدس واستانبول. وبقي الحال كذلك إلى أن فصلت المحاكم إلى شرعية ومدنية، وعند ذاك أخذت القضايا والخصومات المعروضة أمام المحاكم تقضي بغير أحكام الإسلام، وذلك في سنة 1336هـ 1918م حين سقطت آخر دولة إسلامية على يد الكافر المستعمر حتى أن القوانين التي بدأت تدخل بلاد المسلمين في سنة 1857م كقانون الجزاء وقانون التجارة وقانون الحقوق فإنها لم توضع موضع التطبيق إلا بعد أن نالت موافقة شيخ الإسلام -كبير العلماء- وأفتى بجوازها بأنها لا تخالف الأحكام الشرعية حتى أن العلماء لم يروا أي مبرر لإدخال القانون المدني إلى البلاد الإسلامية ولذلك وضعت (المجلة) كمواد قانونية في المعاملات مستندة على الأحكام الشرعية حسب فهم واضعيها، كل ذلك يدل بوضوح على أن المحاكم القضائية وقضاة المحاكم كانوا يحسمون جميع القضايا على أساس أحكام الإسلام، ولا زالت البلاد التي لم يدخلها الكافر المستعمر بجيوشه وإن دخلها بنفوذه تقضي محاكمها بأحكام الشرع.

أما الحاكم فقد كان يطبق أنظمة الإسلام ويبرز هذا التطبيق في خمسة أمور، في الناحية الاجتماعية، والناحية الاقتصادية، والناحية التعليمية، والناحية السياسية داخليًا وخارجيًا، وناحية الحكم، وهذه طبقت جميعها من قبل الحاكم في مختلف العصور الإسلامية، أما الناحية الاجتماعية وهي علاقة الرجل بالمرأة بالزواج والطلاق والنفقة وجميع ما يتصل بهذه العلاقة وهي التي سميت (الأحوال الشخصية) فإنها لا تزل قائمة وموجودة في جميع البلاد وإن غير بعض الحكام جزيئات فيها، رغم الابتعاد الحكام عن الإسلام كنظام وعدم تطبيق أحكامه في نواحي الحياة.

أما الناحية الاقتصادية، فإنها تبرز في مسألتين، الأولى كيفية أخذ الدولة للمال من الأمة والثانية كيفية إنفاق هذا المال، أما من حيث أخذه، فكانت الدولة الإسلامية تأخذ الزكاة على الأموال والأراضي وعروض التجارة والمواشي والزروع والثمار، باعتبار الزكاة عبادة، لتقوم بتوزيعها على الذين لهم حق بها، من الأصناف الثمانية المقررة شرعًا، كما تأخذ الخراج والجزية وضرائب الكمارك بحكم إشرافها على التجارة في الصعيدين الداخلي والخارجي، وكانت تقوم على إدارة ما هو داخل في الملكية العامة، أو ملكية الدولة، كالمعادن والقنوات وغيرها من موارد بيت المال، أما من حيث إنفاق هذه الأموال فإنها كانت توزعها حسب الأحكام الشرعية، وقد طبقت أحكام النفقة على العاجز وحجرت على السفيه والمبذر، وأوجدت أماكن لأحكام الفقراء والمعسرين، ونفذت أحكام العمل والعمال، ومنعت الاحتكار والغش والاستغلال وكل وسائل الكسب غير المشروع.

ومن الحق أن نقول إن بعض الحكام كانوا يسيئون تطبيق أحكام الشرع في هذه الناحية وكان البعض الآخر يحسن غابة الإحسان في رعاية هذه الناحية، تبعًا لنفسية الحاكم ومدى التزامه بالأحكام الشرعية، وموقف الأمة منه خصوصًا العلماء، فإذا حصل لبعض الحكام أن يقصر ويسيء فلا يعني هذا عدم التطبيق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت