الصفحة 126 من 146

(يا غرز إن هذه الشروط من نعم الله الجزيلة عليّ، الموجبة للشكر على الدوام، أما الفتيا فقد كنت والله متبرمًا بها وأكرهها، وأعتقد أن المفتي على شفير جهنم، ولولا اعتقادي أن الله أوجبها عليّ في هذا الزمان لما كنت تلوثت بها، والآن قد عذرني الحق، وسقط عني الوجوب، وتخلصت ذمتي، ولله الحمد والمنة، وأما ترك اجتماعي بالناس ولزومي البيت، فما أنا في بيتي الآن، وإنما أنا في بستان ومن سعادتي لزوم بيتي، وتفرغي لعبادة ربي، والسعيد من لزم بيته، وبكى على خطيئته، واشتغل بطاعة الله تعالى، وهذا تسليك من الحق وهدية من الله إلي، أجراها على يد السلطان وهو غضبان، وأنا بها فرحان، والله يا غرز لو كانت عندي خلعة تصلح لك هذه الرسالة، المتضمنة لهذه البشارة، لخلعت عليه، ونحن على الفتوح، خذ هذه السجادة وصلّ عليها فقبلها وقبّلها) [1] .

ثم لنقرأ أيضًا قول شيخ الإسلام ابن تيمية، حين ورد الأمر بسجنه في قلعة دمشق، بعد أن أظهر السرور، (إني كنت منتظرًا ذلك، وهذا فيه خير عظيم، ما يصنع أعدائي بي أنا جنتي، وبستاني في صدري، أين رحت فهي معي لا تفارقني، أنا حبسي خلوة، وقتلي شهادة وإخراجي من بلدي سياحة) ولما دخل القلعة متوجهًا إلى السجن الخاص به. ورأى أسوارها، قال مستشهدًا ومتمثلًا بقول الله تعالى:

(فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ لَّهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ الْعَذَابُ) [2] . [3]

تلك من أجوبة العلماء الرجال. حين يستلمون أوامر الحكام الظالمين، وهي أجوبة يكفي ذكرها بدون تعليق: وهي تعبر عن نفسياتهم عند الشدائد والمحن.

إن هؤلاء السادة رحمهم الله تعالى: كانوا إذا حلوا ضيوفًا في قلاع السجون أو جدران البيت جبرًا عنهم، فإنهم يقضون أيامهم. وينهون مدة محكومياتهم بالعبادة والتأليف، حيث أن معظم الحكام، كانوا يقتصرون بعقوبة العلماء على حبس أجسامهم، فيكون الفكر طليقًا والعقل حرًا، يقرأ ويؤلف، إلا أن هناك حكامًا كانوا لا يكتفون بحبس الأجساد، بل يزيدون ظلمًا واضطهادًا، بالضرب المبرح والتعذيب الشديد كما حدث للإمام أحمد بن حنبل وأمثاله.

فيحبس العقل مع الجسم، وإنما يكون التأليف والقراءة، لأمثال هؤلاء، وهم مكبلون بالحديد والسلاسل أو يتقلبون تحت السياط، أو يعالجون الجروح!!

إننا نجد أولئك الذين حلوا في سجون الحكام، كانوا يؤلفون ويكتبون بأفق فكري عال، وفي ارتقاء وسمو فجاءت مؤلفاتهم قيمة، وكتاباتهم جليلة، كما كانت نفسياتهم صافية عالية، في الاتجاه إلى الله تعالى. وحسن عبادته، أما وعظ الذين معهم وإرشادهم، فقد كانت على درجة عظيمة من الاهتمام والرعاية.

ومن هنا كانت سجون الحكام للعلماء نعمة وخيرًا كثيرًا، سيقت إليهم، وإن فاتهم هذا وذاك، فإنه لم يفتهم ذكر الله في نفوسهم تضرعًا وخفية، حيث أن قلوبهم مستغرقة بالاتجاه إلى العلي الأعلى، لطلب عفوه ورضاه، وذلك الخير العميم، الذي لا يبغ شأوه الكثيرون.

وها إني أذكر وقائع من أحوال العلماء في سجون الحكام:

(1) [ص80 جـ5 طبقات السبكي] .

(2) آية 13 من سورة الحديد.

(3) [ص36 حياة شيخ الإسلام للأستاذ البيطار نقلًا عن صاحب الكواكب الذرية] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت