الصفحة 127 من 146

هذا فقيه جليل من فقهاء السادة الحنفية، شمس الأئمة السرخسي (أملى كتابه المبسوط في الفقه وهو المطبوع بثلاثين مجلدًا وهو في السجن(باوزجند) إذ كان محبوسًا في الجب بسبب كلمة نصح بها الخاقان وكان يملي من خاطره من غير مطالعة في كتاب وهو في الجب وتلاميذه في أعلى الجب. وقال عند فراغه من شرح العبادات. هذا آخر شرح العبادات بأوضح المعاني وأوجز العبارات أملاه المحبوس عن الجمع والجماعات .. وقال في آخر شرح الإقرار. انتهى شرح الإقرار المشتمل من المعاني على ما هو من الأسرار، بإملاء المحبوس في مجلس الأشرار، وله كتاب في أصول الفقه وشرح السير الكبير أملاه وهو في الجب ولما وصل إلى باب الشروط حصل له الفرج) [1] .

وهذا شيخ الإسلام ابن تيمية: فإنه لما حل في سجن القلعة الذي مات فيه (اقبل على العبادة والتلاوة وتصنيف الكتب والرد على المخالفين، وكتب على تفسير القرآن العظيم جملة كبيرة، تشتمل على نفائس جليلة، وهو ما ظهر له من بعد في تفسير القرآن العظيم، وظهر بعض ما كتبه واشتهر، وآل الأمر إلى أن منع من الكتابة والمطالعة وأخرجوا ما عنده من الكتب، فصار يكتب بأعقاب الخشب التي صارت إلى الفحم) [2] .

قال ابن قيم الجوزية، وهو الذي حبس مع شيخ الإسلام بسجن القلعة، قال لي مرة -يعني شيخ الإسلام- المحبوس مَن حَبَس قلبه عن ربه، والمأسور من أسر هواه، وسمعته يقول في سجوده وهو محبوس: اللهم أعنّي على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك. وهذا الإمام الفقيه ابن رشد، فإنه لم يمتنع عن التأليف حتى في أثناء نكبته التي عوقب فيها، وهو في أقصى درجات الشيخوخة ألف في حبسه كتابه الشهير"المنطق" [3] .

وهذا القاضي بكبار بن قتيبة (لما اختلف مع أصحاب أحمد بن طولون في ولاية العهد وأراد حبسه، استأجر له دارًا، وحبسه فيها، وكان فيها طاق(نافذة) يجلس يتحدث فيها، ويكتب عنه وهو في السجن) [4] .

وهذا الإمام الأعظم أبو حنيفة: عندما أدخل السجن بعد أن ضرب بالسياط بين أيدي أبي جعفر المنصور، وابن هبيرة، كانت أمه تزوره في السجن.

وفي يوم قالت له (يا نعمان إن علما ما أفادك غير الضرب والحبس لحقيق بك أن تنفر عنه -فأجابها- يا أمه لو أردت الدنيا لوصلت إليها، ولكني أردت أن يعلم الله أني صنت العلم ولم أعرض نفسي فيه للهلكة) [5] .

وهذا ابن نجيم ... وهذا ابن القيم، وهذا وهذا فكلهم في سجون الحكام يقضون مدة محكومياتهم في التأليف والعبادة. تلك أمثلة حية، من أحوال العلماء في سجون الحكام. وهي تعبر عن الروح القوي الذي يتقمصها السادة العلماء كما تصور العقلية الإسلامية السامية، التي كانوا يتصفون بها، وتبرز النفسية الإسلامية الرائعة التي كانوا يعيشون بها، حتى كانوا شخصيات إسلامية ممتازة. يشار إليها بالبنان ويقتدي بها جميع المسلمين.

وبقيت هذه الأحوال وأمثالها واقعة على من بعدهم من العلماء في كل العصور والأمكنة. ولم يخل من ذلك عهد ولا حصر حتى اليوم ..

(1) [ص158 الفوائد البهية في تراجم الحنفية] .

(2) [تذكرة الحفاظ لابن عبد الهادي ذكر هذا البيطار من حياة شيخ الإسلام ص41] .

(3) [ص274 ابن القفطي] .

(4) [ص514 رفع الأصور وص191 أبو حنيفة بطل الحرية والتسامح في الإسلام] .

(5) [ص158 المصدر السابق.

أرأيت يا أخي كيف عد أبو حنيفة طلب الدنيا بالعلم أنه هو التهلكة، فتأمل].

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت