الصفحة 5 من 146

وبعد: فقد كانت (الاستراحة) الجبرية التي فرضت عليّ في داري والتي امتدت الأولى سنة بالتمام والكمال [1] من نعم الله تعالى علي، فقد شغفت بالتفتيش في بطون كتب السير والتاريخ والتراجم والطبقات، لمعرفة مواقف علماء السلف الصالح مع الحكام. طيلة وجود الدولة الإسلامية، منذ أن أقامها سيدنا الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم في مدينته المنورة إلى أن استطاع الكافر المستعمر أن يقضي عليها سنة 1343هـ. فدفعتني هذه المعرفة إلى تسجيل تلك المواقف بجزئياتها وكلياتها وجمعها مما تيسر لي ووفقت إليه. ولما جاءت الإقامة الجبرية الثانية [2] قمت مستعينًا بالله تعالى إلى تنسيقها والاختيار منها والتعليق عليها وكتابة ما يدور في فلكها ولا يخرج عن نهجها. بكتاب فجاءت كما سيرى القارئ الكريم.

إن تلك المواقف التي اقتطفتها من سير العلماء والحكام لم أقصد بها التاريخ إذ ليست من التاريخ ببعيد. بل هي منه في الصميم.

ولم أقصد بها ذكر تراجم العلماء والحكام. من الذين مضوا إلى ربهم سبحانه.

وإنما قصدت إلقاء أضواء على تلك المواقف التي أثبت فيها العلماء -كما قلت- أنهم حقًا ورثة الأنبياء، فهي إذن صور لا سير. ليس فيها من التفاصيل بقدر ما فيها من إبراز مواطن العبر والاستبصار.

وليس الذي ذكرتهم هم جميع العلماء الذين كانوا قائمين بواجبهم الشرعي، محافظين على ميراث النبي صلى الله عليه وسلم وإنما هناك علماء وعلماء. منهم من ذكرهم التاريخ ومنهم من نسيهم وطوتهم السنون، ولن يخلو عصر من أمثالهم حتى تقوم الساعة إن شاء الله.

وأود هنا أن أذكر القارئ الكريم إلى نقطة مهمة جديرة بالالتفات إليها، هي أن مواقف علماء السلف الصالح رحمهم الله جميعًا، من حكامهم، في غلظة الكلام، وشدة الإنكار وعظيم المحاسبة -من الذين سنذكر حوادثهم- ومن وصف العلماء لبعض حكامهم بالظلم والجبروت والغرور وبشيء من الابتعاد عن شريعة الإسلام. التي أمروا أن يحكموا بها حكمهم وسلطانهم، وإن كان قد وقع من بعضهم ذلك، إلا أنه قد حصل بهم من الخير الكثير للمسلمين ما لم يحصل مثله بمن جاء بعدهم، أي والله.

وهؤلاء الحكام الذين عاصروا علماءنا الأبرار: ما كانوا يكرهون الإسلام ولا يستكبرون عن حكمه وتحكيمه، بل كانوا يطبقونه. ويرعون شؤون المسلمين على أساسه، وأعلنوا الحرب على أعدائه، ودافعوا عن بيضة المسلمين وحموا حمى الإسلام. ولكن مع ذلك، فقد نالت الدنيا من بعضهم، بعض الشيء، فحملهم على اتباع الهوى في بعض الأمور. حرصًا على الحكم والسلطان. وما أعظم فتنة الحكم والسلطان!! فلم يخلُ حكمهم من مظالم بارزة وسيئات ظاهرة جعلت العلماء يقفون في وجوههم منكرين عليهم تلك المظالم عاملين على رفع تلك السيئات بذلك. وقالوا عنهم ما قالوا .. لأن العلماء أرادوا منهم أن يكونوا على مثل ما كان عليه الخلفاء الراشدون -إذا هو المطلوب شرعًا من كل حاكم مسلم في كل حين- ووزنهم بمن كان قبلهم. فخفوا في الميزان، فظهر التخلف وانكشف التنكب، فلا يتوهم أحدتا أن الذين سنذكرهم من الحكام وموقف العلماء منهم، أنهم من أعداء الإسلام، أو من الكارهين له.

فكان ما كان مع أمر العلماء معهم.

وإن كان أمر العلماء السلف الصالح مع هؤلاء الحكام وهم على ما ذكرنا فكيف يكون أمر علماء اليوم من حكامهم وهم على ما هم عليه؟؟

(1) [كانت في عهد الطاغية عبد الكريم قاسم في يوم 2/ 12/1959م ورفعت في 2/ 12/1960م.]

(2) [وذلك يوم 7/ 8/1961 ورفعت في اليوم المسمى بيوم العف العم 4/ 12/1961 الذي شمل جميع السياسيين بل السراق والمجرمين.]

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت