إني أوصيك يا أمير المؤمنين بحفظ ما استحفظك الله، ورعاية ما استرعاك الله، وأن لا تنظر في ذلك إلا إليه وله، فإنك إن لا تفعل تتوعر عليك سهولة الهدى، وتعمى في عينيك وتتعفى رسومه ويضيق عليه رحبه، وتنكر منه ما تعرف، وتعرف منه ما تنكر، فخاصم نفسك خصومة من الفلج لها لا عليها، فإن الراعي المضيع يضمن ما هلك على يديه مما لو شاء رده عن مواطن الهلكة، بإذن الله، وأورده أماكن الحياة والنجاة، فإذا ترك ذلك أضاعه وإن تشاغل بغيره كانت الهلكة عليه أسرع وبه آخر وإذا أصلح كان أسعد من هنالك بذلك ووفاه الله أضعاف ما وفى له، فاحذر أن تضيع رعيتك فيستوفي ربها حقها منك، ويضيعك بما أضعت أجرك، وإنما يدعم البنيان قبل أن ينهدم. وإنما لك من عملك ما عملت فمين ولاك الله أمره، فلست تنسى. ولا تغفل عنهم وعما يصلحهم فليس يغفل عنك، ولا يضيع حظك من هذه الدنيا في هذه الليالي والأيام كثرة تحريك لسانك في نفسك بذكر الله تسبيحًا وتهليلًا وتمجيدًا والصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم ..
نبي الرحمة وإمام الهدى ... [1] هكذا كان علماء السلف الصالح، يستغلون كل فرصة تمكنهم من إيصال نصائحهم إلى الحكام، وهل هناك فرصة أعظم، من أن يطلب الرشيد وضع كتاب له في الأموال أو قل في النظام الاقتصادي ليتبناه ويأمر بتنفيذه، فينتظره الرشيد بفارغ الصبر وثم تكون مقدمة هذا (النظام) كما ذكرنا منها. حقًا إنها لنصيحة لله ولرسوله .. ولأئمة المسلمين.
وهذا الإمام جعفر الصادق رضي الله عنه، يقول لأبي جعفر المنصور حين استدعاه في إحدى المرات، ناصحًا له ... لا تقبل في ذي رحمك وأهل الرعاية من أهل بيتك، قول من حرم الله عليه الجنة، وجعل مأواه النار، فإن النمام شاهد زور، وشريك إبليس في الإغراء بين الناس، فقد قال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ) [2] ، ونحن لك أنصار وأعوان، لملكك دعائم وأركان، ما أمرت بالمعروف والإحسان وأمضيت في الرعية أحكام القرآن، وأرغمت بطاعتك الله أنف الشيطان، وإن كان يجب عليك في سعة وكثرة علمك ومعرفتك بآداب الله أن تصل من قطعك وتعطي من حرمك وتعفو عمن ظلمك، فإن المكافي ليس بالواصل وإنما الواصل، من إذا قطعته رحمة وصلها، فصل رحمك يزد الله في عمرك، ويخفف عنك الحساب يوم حشرك (لقد صدق الصادق رحمه الله تعالى فإن العلماء مع الحكام ما أمر الحكام بالمعروف والإحسان وأمضوا في الرعية أحكام القرآن وأرغموا لطاعتهم لله أنف الشيطان ومن هذه المعصية مشاركة العلماء للحكام في تولي المسؤولية) .
قال المنصور: قد صفحت عنك لقدرك، وتجاوزت عنك لصدقك، فحدثني عن نفسك بحديث اتعظ به ويكون لي زاجر صدق عن الموبقات. قال الصادق: عليك بالحلم، فإنه ركن العلم. واملك نفسك عند أسباب القدرة، فإنك إن تفعل ما تقدر عليه، كنت كمن شفى غيظًا، أو تداوى حقدًا أو يحب أن يذكر بالصولة، واعلم أنك إن عاقبت مستحقًا لم تكن عناية ما توصف إلا العدل، والحال التي توجب الشكر أفضل من الحال التي توجب الصبر، قال المنصور: وعظت فأحسنت وقلت فما وجزت [3] ...
(1) [مقدمة كتاب الخراج للإمام أبي يوسف القاضي] .
(2) آية 6 من سورة الحجرات.
(3) [ص12 بحار الأنوار جـ1 في أحوال الصادق ص260 أو 127 الإمام الصادق لمحمد حسين المظفري] !