الصفحة 65 من 146

وهذا الإمام عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي قال محدثًا عن نفسه، بعث إليّ أبو جعفر المنصور أمير المؤمنين وأنا بالساحل، فأتيته، فلما وصلت إليه سلمت عليه بالخلافة، فرد علي واستجلسني، ثم قال لي: ما الذي أبطأ بك عنا يا أوزاعي؟ قلت: وما الذي تريد يا أمير المؤمنين؟ قال أريد الأخذ عنكم والاقتباس منكم قلت: انظر يا أمير المؤمنين أن لا تجهل شيئًا مما أقول، قال وكيف أجهله وأنا أسألك عنه، وفيه وجهت إليك، وأقدمتك له، قلت أخاف أن تسمعه ثم لا تعمل به. قال الأوزاعي: فصاح بي الربيع وأهوى بيده إلى السيف فانتهره المنصور، وقال هذا مجلس مثوبة لا مجلس عقوبة، فطابت نفسي وانبسطت في الكلام، فقلت: يا أمير المؤمنين حدثني مكحول عن عطية بن بشر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ايما عبد جاءته موعظة من الله في دينه فإنها نعمة من الله سبقت إليه فإن قبلها بشكر وإلا كانت حجة من الله عليه ليزداد إثمًا ويزداد الله بها سخطًا عليه) [1] .

يا أمير المؤمنين: من كره الحق فقد كره الله إن الله هو الحق المبين ..

إن الذي لين قلوب أمتكم لكم حين ولاكم أمورهم، لقرابتكم من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد كان بهم رؤوفًا رحيمًا، مواسيًا لهم بنفسه من ذات يده، محمودًا عند الله وعند الناس، فحقيق بك أن تقوم له بالحق، وأن تكون بالقسط له فيهم قائمًا، ولعوراتهم ساترًا، لا تغلق عليك دونهم الأبواب، ولا تقيم دونهم الحجاب، تبتهج بالنعمة عندهم وتبتئس بما أصابهم من سوء ..

يا أمير المؤمنين: قد كنت من شاغل من خاصة نفسك عن عامة الناس الذين أصبحت تملكهم، أحمرهم وأسودهم مسلمهم وكافرهم. وكل له عليك نصيب من العدل، فكيف بك إذا انبعث منهم فئام ورام فئام، وليس منهم أحد إلا وهو يشكو بلية أدخلتها عليه، أو ظلامة سقتها إليه.

يا أمير المؤمنين: حدثني مكحول عن عروة بن رويم قال: كانت في يد رسول الله صلى الله عليه وسلم جريدة ببستاك ويروع بها المنافقين فأتاه جبرائيل عليه السلام فقال له: يا محمد، ما هذه الجريدة التي كسرت بها قلوب أمتك، وملأت قلوبهم رعبًا [2] . فكيف بمن شقق أستارهم وسفك دماءهم وأجلاهم عن بلادهم وغيبهم الخوف منه ...

يا أمير المؤمنين: إن الملك لو بقي لمن قبلك لم يصل إليك، وكذا لا يبقى لك كما لم يبق لغيرك، يا أمير المؤمنين: بلغني أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: لو ماتت سخلة على شاطىء الفرات ضيعة لخشيت أن أسأل عنها [3] . فكيف بمن حرم عدلك وهو على بساطك ...

يا أمير المؤمنين: قد سأل جدك العباس النبي صلى الله عليه وسلم إمارة مكة أو الطائف أو اليمن، فقال النبي عليه السلام: يا عباس يا عم النبي (نفس تحييها خير من إمارة لا تحصيها) [4] نصيحة منه لعمه وشفقة عليه، وأخبره أنه لا يغني عنه عن الله شيئًا إذ أوحى الله إليك، (وأنذر عشيرتك الأقربين) [5] فقال: (يا عباس ويا صفية عمي النبي ويا فاطمة بنت محمد أني لست أغني عنكم من الله شيئًا لي عملي ولكم عملكم) [6] .

(1) أخرجه ابن عساكر، وقال الألباني: ضعيف. انظر حديث رقم 2245 في ضعيف الجامع.

(2) "أخرجه ابن أبي الدنيا وهو مرسل، وعروة ذكره ابن حبان في ثقات التابعين". أهـ (تخريج أحاديث الإحياء 2/ 255) .

(3) انظر"شعب الإيمان"للبيهقي 6/ 31.

(4) رواه ابن أبي شيبة والبيهقي وابن سعد، وقال الحافظ العراقي: أخرجه ابن أبي الدنيا هكذا معضلا بغير إسناد ورواه البيهقي من حديث جابر متصلا ومن رواية ابن المنكدر مرسلا وقال هذا هو المحفوظ مرسلا. أهـ (تخريج أحاديث الإحياء 2/ 256) .

(5) آية 214 من سورة الشعراء.

(6) متفق عليه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت