وقد قال عمر بن الخطاب، الأمراء أربعة، فأمير قوي ظلف نفسه وعماله فذلك كالمجاهد في سبيل الله، يد الله باسطة عليه بالرحمة، وأمير فيه ضعف ظلف نفسه وأرتع نفسه فذلك الحطمة الذي قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم (بشر الرعاة الحطمة [1] فهو الهالك وحده) [2] وأمير أترع نفسه وعماله فهلكوا جميعًا. ثم قال: يا أمير المؤمنين: إن أشد الشدة القيام لله بحقه، وإن أكرم الكرم عند الله التقوى، وإنه من طلب العز بطاعة الله رفعه الله وأعزه، ومن طلبه بمعصية الله أذله الله ووضعه، فهذه نصيحتي إليك والسلام عليك ثم نهضت فقال إلى أين؟ فقلت إلى الولد والوطن بإذن أمير المؤمنين إن شاء الله فقال: أذنت لك وشكرت نصيحتك وقبلتها قال محمد بن مصعب: فأمر له بمال يستعين به على خروجه فلم يقبله، وقال: أنا في غنى عنه، وما كنت لأبيع نصيحتي بعرض من الدنيا. وعرف المنصور مذهبه فلم يجد عليه في ذلك [3] .
هكذا كان الحكام يستمعون إلى نصائح العلماء. معهدين على تنفيذها والعمل بموجبها، بل كانوا يسمعونها من أي وعاء خرجت، لذلك لم نجد غرابة من الحكام الصالحين، حينما يستمعون إلى مثل هذه النصائح وهي تخرج من فم امرأة أو صبي لم يبلغ الحلم ولنقرأ نصيحة امرأة لسيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه. ثم نصيحة الصبي لسيدنا عمر بن عبد العزيز. خرج رضي الله عنه من المسجد يومًا، ومعه الجارود العبدي، فبينما هما خارجان إذ بامرأة على ظهر الطريق. فسلم عليها عمر فردت عليه التحية، ثم قالت رويدك يا عمر حتى أكلمك كلمات قليلة، قال: يا عمر عهدي بك وأنت تسمى عميرًا في سوق عكاظ تصارع الفتيان، فلم تذهب الأيام حتى سميت عمر، ثم لم تذهب الأيام حتى سميت أمير المؤمنين، فاتق الله في الرعية. واعلم أنه من خاف الموت خشي الفوت [4] . قال الجارود: هيه قد اجترأت على أمير المؤمنين. فقال عمر دعها أما تعرف هذه يا جارود؟ هذه خولة بنت حكيم التي سمع الله قولها من فوق سمائه. فعمر والله أحرى أن يسمع كلامها.
أراد بذلك قوله تعالى (قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ) [5] .. [6] حينما ولى الخلافة عمر بن عبد العزيز، وفدت الفود من كل بلد، لبيان حاجتها وللتهنئة فوفد عليه الحجازيون، فتقدم غلام هاشمي للكلام وكان حديث السن، فقال عمر: لينطلق من هو أسن منك، فقال الغلام. أصلح الله أمير المؤمنين. إنما المرء بأصغريه قلبه ولسانه.
فإذا منح الله عبدًا لسانًا لافظًا وقلبًا حافظًا فقد استحق الكلام وعرف فضله من سمع خطابه ولو أن الأمر يا أمير المؤمنين بالسن لكان في الأمة من هو أحق بمجلسك هذا منك، فقال عمر: صدقت، قل ما بدا لك، فقال الغلام: أصلح الله أمير المؤمنين: نحن وفد تهنئة لا وفد مرزئه. وقد أتبناك لمن الله الذي من علينا بك، ولم يقدمنا إليك رغبة ولا رهبة، أما الرغبة فقد أتيناك من بلادنا، وأما الرهبة فقد أمنا جورك بعدلك. [7]
فقال عمر: عظني يا غلام: فقال أصلح الله أمير المؤمنين، أن ناسًا من الناس غرهم حلم الله عنهم وطول أملهم وكثرة ثناء الناس عليهم فزلت بهم الأقدام فهووا في النار.
(1) [والحطمة اسم من أسماء النار لأنها تحطم ما يلقى فيها] .
(2) أخرجه مسلم في صحيحه بلفظ: (إن شر الرعاء الحطمة فإياك أن تكون منهم) .
(3) [روى هذه النصيحة المحدث ابن أبي الدنيا في مواعظ الخلفاء. وذكرها الإمام الغزالي في الإحياء ص77 جـ7] .
(4) خشي الفوت: لم ينله.
(5) آية 1 من سورة المجادلة ..
(6) [الإحياء جـ7] وانظر"العلو للعلي الغفار"للإمام الذهبي ص63.
(7) مروج الذهب 3/ 197.