القسم الثالث: كان يأخذ الحظ المقسوم له من الحكام، وفي نفس الوقت يقوم بواجب الشرع نحوهم من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومن هؤلاء بعض أئمة أهل البيت الكريم كالإمام جعفر الصادق، فقد كانوا يأخذون من الحكام حظ بني هاشم من الأموال، وكذلك الإمام الشافعي كان يأخذ حظه من سهم بني المُطلب من الغنيمة، وكان هؤلاء رحمهم الله تعالى ينفقون هذا المال على العلماء وطلبة العلم.
تلك أقسام العلماء في موقفهم من أعطيات الحكام ومنحهم، في ذلك الزمان الذي كانت أموال أكثر الحكام من الحلال الطيب.
أما إذا تغيرت مصادر أموال الحكام وتبدلت، فما موقف السادة العلماء منها. فالإمام الغزالي يقول فيها حكمًا: ولنسمعه ( .. إن أموال السلاطين في عصرنا حرام كلها أو أكثرها: وكيف لا، والحلال هي الصدقات والفيء والغنيمة: ولا وجود لها، وليس يدخل منها في يد السلطان ولم يبق إلا الجزية، وإنها تؤخذ بأنواع من الظلم لا يحل أخذها به، فإنهم يجاوزون حدود الشرع في المأخوذ والمأخوذ منه، والوفاء له بالشرط. ثم إذا نسب ذلك إلى ما ينصب إليهم من الخراج المضروب على المسلمين، ومن الصادرات والرشا وصنوف الظلم لم يبلغ عشر معشار عشيرة [1] .
ثم يرد الإمام الغزالي على بعض علماء عصره، من الذين يقبلون منح الحكام وأعطياتهم. وقد استدلوا في ذلك، بأن علماء السلف كانوا يقبلونها ولا يرون بأسًا في ذلك. مبينًا الفرق بين الأوضاع الأولى، وأوضاع عصره فيقول:
(إن الظلمة في العصر الأول -لقرب عهدهم بزمان الخلفاء الراشدين- كانوا مستشعرين من ظلمهم، ومتشوقين إلى استمالة قلوب الصحابة والتابعين، وحريصين على قبولهم عطاياهم وجوائزهم. وكانوا يبعثون إليهم من غير سؤال وإذلال، بل كانوا يتقلدون المنة بقبولهم، ويفرحون به، وكانوا يأخذون منهم ويفرقون، ولا يطيعون السلاطين في أغراضهم ولا يغشون مجالسهم، ولا يكثرون جمعهم ولا يحبون بقاءهم، بل يدعون عليهم، ويطلقون الألسنة، وينكرون المنكر عليهم، فما كان يحذر أن يصيبوا من دينهم بقدر ما أصابوا من دنياهم. ولم يكن بأخذهم بأس.
أما الآن فلا تسمح نفوس السلاطين بعطية إلا لمن طمعوا في استخدامهم، والتكثر بهم والاستعانة بهم في أغراضهم، والتجمل بغشيان مجالسهم، وتكفيهم المواظبة على الدعاء والثناء والتزكية والإطراء في حضورهم ومغيبهم، فلو لم يذل الآخذ نفسه بالسؤال أولًا، وبالتردد في الخدمة ثانيًا، وبالثناء والدعاء ثالثًا، وبالمساعدة له على أغراضه عند الاستعانة رابعًا، وبتكثير جمعه في مجلسه وموكبه خامسًا، وبإظهار الحب والولاء والمناصرة له على أعدائه سادسًا، وبالتستر على ظلمه ومقابحه ومساوئ أعماله سابعًا، لم ينعم عليه بدرهم واحد، ولو كان في فضل الشافعي رحمه الله مثلا، فإذًا لا يجوز أن يؤخذ منهم هذا الزمان. ما يعلم أنه حلال لإفضائه إلى هذه المعاني، فكيف يعلم أنه حرام، أو لا نشك فيه. فمن استجرأ على أموالهم وشبه نفسه بالصحابة والتابعين فقد قاس الملائكة بالحدادين) [2] .
وواقع حالنا اليوم في جميع البلاد الإسلامية، كحال أولئك الحكام الذين حكم الغزالي بحرمه منحهم وأعطياتهم. إن لم نقل أشد سوءًا وأعظم إثمًا.
أما ما يأخذه العلماء اليوم من أموال. مقابل قيامهم بالوظائف المعروفة من إمامة وخطبة وتدريس ووعظ وإفتاء .. فهو لتفرغهم عن العمل الذي يكسبون به. لذا كان أخذهم لهذا المال جائزًا. حتى لو كان من غير الأوقاف التي أوقفها أصحابها من المسلمين لصرفها بهذا الشأن.
(1) [ص112 جـ2 الإحياء] .
(2) [122 - 123 جـ2 الإحياء] .