وكان الآخرون من علماء السلف يواجهون هؤلاء الحكام ولكن كانت مواجهتهم يحدث فيها ما يحدث كما هو آت أو شبيه به ..
فهذا الإمام الغزالي يدخل على السلطان سنجر بن مالك شاه السلجوقي، ليدفع الظلم عن المسلمين في أموالهم وأرواحهم، ومن قوله له: ( .. أسفًا إن رقاب المسلمين كادت تنقض بالمصائب والضرائب، ورقاب خليك كادت تنقض بالأطواق الذهبية) [1] .
وهذا الإمام ابن تيمية، شكا إليه رجل من المسلمين فطلوبك الكبير وظلمه له، -وكان المذكور فيه جبروت، فدخل شيخ الإسلام وتكلم معه في ذلك، فقال فطلوبك: أنا كنت أريد أن أجيء إليك لأنك عالم زاهد.
قال ذلك مستهزئًا، فأجابه: لا تعمل علي دركوان، هكذا بخط المصنف ولعلها تعني لا تستهزئ فقد كان موسى خيرًا مني وفرعون كان شرًا منك، وكان موسى يجيء إلى باب فرعون كل يوم ثلاث مرات ويعرض عليه الإيمان [2] .
وهذا عمرو بن عبيد العالم المعتزلي، يدخل على المنصور، وقال: يا أمير المؤمنين إن الله عز وجل يقفك ويسائلك عن مثقال ذرة من الخير والشر، وإن الأمة خصماؤك يوم القيامة، وإن الله عز وجل لا يرضى منك إلا بما ترضاه لنفسك، ألا وإنك لا ترضى لنفسك إلا بأن يعدل عليك -وإن الله عز وجل لا يرضى منه إلا بأن تعدل في رعيتك، وإن وراء بابك نيرانًا تتأجج من الجور.
فقال سليمان بن مجالد وهو واقف على رأس المنصور: يا عمرو قد شققت على أمير المؤمنين، فقال عمرو: يا أمير المؤمنين، من هذا؟ قال: أخوك سليمان بن مجالد، قال عمرو: ويلك يا سليمان، إن أمير المؤمنين يموت وإن كل ما تراه يفقد، وإنك جيفة غدًا بالفناء، ولا ينفعك إلا عمل صالح قدمته، ولقرب هذا الجوار أنفع لأمير المؤمنين من قربك، وإن كنت تطوي عنه النصيحة، وتنهي من ينصحه، يا أمير المؤمنين إن هؤلاء اتخذوك سلمًا إلى شهواتهم، قال المنصور: فاصنع ماذا؟ ادع لي أصحابك أوليهم، قال: ادعهم أنت بعمل صالح تحدثه، ومر بهذا الخناق فليرفع عن أعناق الناس واستعمل في اليوم الواحد عمالًا كلما رابك منهم ريب، أو أنكرت على رجل عزلته ووليت غيره، فوالله لئن لم تقبل منهم إلا العدل، ليتقربن به إليك من لا نية له فيه [3] .
وهذا الليث بن سعد عالم مصر يدخل على الرشيد، فيسأله الرشيد: ما صلاح بلدكم؟ فقال: يا أمير المؤمنين صلاح بلدنا إجراء النيل، وصلاح أمره ومن رأس العين يأتي الكدر، فإذا صفا رأس العين صفت العين، قال: صدقت يا أبا الحارث [4] .
تلك صورة ما يحدث في مواجهة العلماء للحكام، وفيها العبرة ...
أقول: إن مواجهة الحكام فيها ما فيها، لأن النية قد تحسن في أول الدخول عليهم، ثم تتغير بإكرامهم أو بالطمع فيهم، ولا يتماسك العالم المواجه عن مداهنتهم أو السكوت عن الإنكار عليهم، وقد كان الإمام سفيان الثوري رحمه الله تعالى يقول:"ما أخاف من إهانتهم لي وإنما أخاف من إكرامهم فيميل قلبي إليهم" [5] .
(1) [من رسائل للإمام بالفارسية ذكرها بالعربية الأستاذ الندوي في كتابه رجال الفكر والدعوة في الإسلام] .
(2) [ص76 و77 جـ1 فوات الوفيات] .
(3) [ص28 جـ2 المحاسن والمساوئ للبهيتي] .
(4) انظر حلية الأولياء 7/ 322.
(5) [ص122 تلبيس إبليس] .