وكل الذي يؤخذ على جمهرة الخلفاء هي مسألة بيعة الخليفة ومسألة استعمال القوة المادية في تولي الحكم. أما البيعة يومئذ فقد كانت تؤخذ لابن أو أخ أو من أسرة الخليفة القائم في حياته، ثم تجدد لذلك الشخص بعد فقدان ذلك الخليفة وهذه إساءة لتطبيق حكم البيعة، إذ البيعة شرعًا تعقد للرجل الذي ترضاه الأمة وتختاره بعد فقدان خليفتها، وإساءة تطبيق حكم البيعة هذه هي الشبهة التي حسبها البعض بأن نظام الحكم الإسلامي كان وراثيًا في جل العصور الإسلامية وهو ما يعبر عنه بالنظام الملكي، وهذا يتنافى مع أحكام الإسلام في نظام الحكم. والحقيقة أن ولاية العهد أو الحكم الوراثي لا صلة له بالإسلام، وبالتالي لم يطبق في جميع العصور الإسلامية، حيث ذكرنا آنفًا أن الذي حدث في تلك العصور هي أن الخليفة كان يقوم بناء على بيعتين الأولى في حياة الخليفة القائم والثانية بعد وفاته، ولم ينصب خليفة دون بيعة، فكانت البيعة تؤخذ في تلك العصور من أهل الحل والعقد، ثم أُخذت من شيخ الإسلام -كبير العلماء- وهذا يتناقض مع مفهوم الوراثة أو ولاية العهد، لوجود البيعة الثانية وهي الأصل، والأولى كانت على سبيل الترشيح الإلزامي، ولو اكتفى بالأولى لصح القول وكانت تلك الشبهة، حقيقة قائمة لا شبهة، والبيعتان هاتان لا يقرهما الإسلام، وإنما بيعة واحدة تعلن فيها الأمة عمن تريده خليفة عليها بدون ضغط أو إكراه، يبايعها هو على تطبيق الإسلام وتبايعه هي على السمع والطاعة.
أما استعمال القوة المادية في تولي الحكم، وفرض شخص معين نفسه على الأمة، وهي لا تريده ولا ترضاه حاكمًا عليها، فهذا لا يجوز شرعًا ولا يقره الإسلام، ولو أن هذا الشخص أعلن أنه يطبق الإسلام ويرعى الأمة على أساسه، إذ الأمة هي صاحبة السلطان، ولها الحق كل الحق، أن تختار شخصًا معينًا ليكون نائبًا عنها في الحكم وتولي السلطان.
وهناك شبهة أخرى، وهي حدوث بعض الإساءات، ووقوع بعض المظالم من قبل بعض حكام الدولة الإسلامية، فحكم البعض على هذه الوقائع التأريخية، بعدم تطبيق الإسلام في ذلك الحين، إن هذه الشبهة ستزول حتما إذا لوحظت هذه الأمور.
أولًا: إن تأريخ الحكم الإسلامي، وأحوال الحكام، لا تؤخذ من أعداء الإسلام أو من المبغضين له، أو من الذين دخلوا في الإسلام نفاقًا، لتحقيق مآرب خاصة؛ وإنما يؤخذ هذا التأريخ من ثقاة المؤرخين المسلمين المؤمنين، مع التحقيق الدقيق في ذلك إذ إن كثيرًا من الحوادث نقلت بزيادة فيها، وإن بعض المؤرخين لم ينصفوا بعض الحكام، وإن عامل الاختلاف المذهبي كان له أثرة في كتابة الحوادث، ومنهم من خضع لأهواء الحكام حين الكتابة عن الذين سبقوهم في الحكم، فضلًا عن أنه لم يكتب تأريخ المجتمع الإسلامي كتابة تمحيصية دقيقة، وأن الذي كتب هو أخبار الحكام، وهذه لا تعطي صورة واضحة عن المجتمع الإسلامي، ولا عن حكم الإسلام.
ثانيًا: أن الباحث المدقق لا يجوز له أن يستعمل القياس الشمولي عن المجتمع، من تأريخ بعض أفراده أو حكامه، كما لا يجوز له أن يحكم على نواحي المجتمع كلها بالفساد، لفساد حاكمه، أو لفساد ناحية فيه، فليس من الصواب أن يحكم على المجتمع في العصر الأموي من تأريخ يزيد بن معاوية، أو الحجاج بن يوسف الثقفي، أو يحكم على المجتمع في العصر العباسي بالفسق والمجون والجواري الحسان، من قراءة كتاب الأغاني لأبي الفرج الذي ألّف عن أخبار أهل الهوى والمجون والشعراء، وإنما الصواب أن يحكم على المجتمع بالصلاح أو بالفساد من دراسة جميع نواحي المجتمع.