ومتى يصير الصنفان على غير ما وصفناه: كأن يكون الحاكم فاسدًا مفسدًا، يعمل بعمل الجاهلية، ويدعو بدعوة جاهلية، فالظلم سجيته، والكفر رائده، وسلب الأموال وإنفاقها في شهواته وملذاته. وإشباع نزوات اتباعه وجلاوزته ديدنه، وقتل النفوس عمله، يحل ما حرم الله ويحرم ما أحل الله، متقصدًا أو متأولًا، يرى رقي بلاده وسعادة أمته بغير الإسلام، ويرى العدل يقوم والحق يكون بما يسن هو من قوانين، وكلما ابتعد عن الإسلام في قوانينه وأنظمته هذه، كلما كان تقدميًا متحررًا غير رجعي، لا يتصف بالجمود!! وأمام هذا نراه يسكت الألسنة، ويعقل الأقلام ويأخذ بالشبهات وقد فتح سجونه منذرًا بها، وهدد بمعتقلاته مخوفًا بدهاليزها، والعلماء تجاهه، بين ساكت عنه، ينكر ولا يغير، ولا ينصح ولا يصدع بكلمة أو ينبس ببنت شفة، ارتضى بالعافية، والتمس لنفسه المعاذير، والتشبث بالتأويل لآيات القرآن، وأحاديث الرسول الكريم فتراه يعمد ما فيه الحث على الجهاد، فيستدل به على جواز القعود عن مجاهدة أعداء الإسلام لأنها في نظره تهلكة، كما في قوله تعالى: (وَلاَ تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ) [1] وما التهلكة إلا الشح والبخل في الإنفاق في سبيل الله، والبطء عن استجابة داعي الجهاد. وبين متفقه يرى الحكمة في السكوت عن جرائم الحكام، ضاربًا الكف على الكف آسفًًا ومتألمًا ومتأولًا، قائلًا لا يمكن الإصلاح ولا محل للإنكار.
فقد عم البلاء وظهر الفساد، فما عاد ينفع قول ولا إرشاد، وليس هناك أذن تسمع، ولا قلب يعي، ولا حيلة للعلماء، في دفع هذا البلاء، وإزالة هذا الفساد، ولا عليهم إن سكتوا وانزووا، فالله يأخذ الظالمين وما هم له بمعجزين، هذه بعض أقوالهم أو معانيها، ونسوا قول الله تعالى: (وَإِذَ قَالَتْ أُمَّةٌ مِّنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ) [2]
فإذا آل أمر العلماء والحكام على ما ذكرنا وقد وقع هذا المآل في بلاد الإسلام فحق على من عنده بقية من علم وفضل من تقوى، أن يصدع بالحق ويرفع صوته به ولو كان وحده في الميدان: (كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ) [3] وحق على المسلمين أن يؤازروه ويعينوه. وعليهم جميعًا أن يرددوا قول الله تعالى: (الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ) [4] .
إن الفساد قد استحكم في الأرض، فأخذ أشكاله وألوانه، فساد في أنظمة الحياة وقوانينها، وفساد في أجهزة الحكم، فساد في إدارة الدولة، فساد في الأفكار السائدة في المجتمع، فساد في المشاعر المتحكمة عند عموم الناس، والحكام يرعون ذلك كله ويتبجحون به ويحسبون أنهم يحسنون صنعًا.
ونشاهد بعض العلماء قانعا بصلواته يؤديها، إذا وعظ بالمناسبة كان وعظه يميت القلوب ولا يحييها، وقد عافه الناس لتكراره ولبعده عن واقع حياتهم، وأحاسيس مجتمعهم، ومنهم من يحجم عن بيان فساد الأنظمة وكشف أعمال الحكام رهبة أو رغبة؟!، أما فساد الأفكار فلا يمسها بسوء خوفًا من ثورة الفاسقين عليه واستنكارهم له.
ومنهم من استولى على المذياع وارتقى المنابر يسبح بحمد الحاكم ويقدس أمره، ويذكر كل خير وبرّ منسوبًا إلى حكمه، وما يعمله غيره كان بتوجيه منه.
(1) [195 سورة البقرة. سيأتي شرح هذه الآية في فصل العلماء وآية التهلكة] .
(2) آية 164 سورة الأعراف.
(3) آية 38 المدثر.
(4) آية 173 سورة آل عمران.