ثم قرب غازان إلى الوفد طعامًا فأكلوا إلا ابن تيمية، فقيل له: ألا تأكل؟ فقال كيف آكل من طعامكم وكله مما نهبتم من أغنام الناس وطبختموه بما قطعتم من أشجار الناس؟ وغازان مصغ لما يقول شاخص إليه لا يعرض عنه، وإن غازان من شدة مما أوقع في قلبه من الهيبة والمحبة، سأل من هذا الشيخ؟ إني لم أر مثله، ولا أثبت قلبًا منه، ولا أوقع من حديثه في قلبي، ولا رأيتني أعظم انقيادًا لأحد منه، فأخبر بحاله، وما هو عليه من العلم والعمل ثم طلب منه غازان الدعاء، فقال الشيخ يدعو فقال اللهم إن كان عبدك هذا إنما يقاتل لتكون كلمتك العليا، وليكون الدين كله لك، فانصره وأيده، وملكه البلاد والعباد، وإن كان قد قام رياء وسمعة وطلبًا للدنيا ولتكون كلمته هي العليا وليذل الإسلام وأهله، فأخذ له وزلزله ودمره وأقطع دابره، وغازان يؤمن على دعائه، ويرفع يديه -قال البالسي- فجعلنا نجمع ثيابنا خوفًا من أن تتلوث بدم ابن تيمية إذا أمر بقتله، فلما خرجنا من عنده قال قاضي القضاة نجم الدين وغيره، كدت أن تهلكنا وتهلك نفسك والله لا نصحبك من هنا، فقال وإني والله لا أصحبكم -قال البالسي- فانطلقوا عصبة، وتأخر هو في خاصة نفسه ومعه جماعة من أصحابه، فتسامعت به الخواتين والأمراء أصحاب غازان فأتوه يتبركون بدعائه وهو سائر إلى دمشق، ووالله ما وصل إلى دمشق إلا في نحو ثلاثمائة فارس في ركابه وكنت أنا من جملة من كان معه، وأما أولئك الذين أبوا أن يصحبوه فخرج عليهم جماعة من التتار فشلحوهم -أي سلبوهم ثيابهم وما معهم-) أهـ [1] .
تلك صور من مواقف محاسبة العلماء للحكام، وذاك هو حكم الإسلام، في وجوب محاسبة الحكام، وفي عقابه الله تعالى لمن لم يقم به: أو لم يفسح المجال له، وقد تمسك المسلمون بذلك -حكامًا ومحكومين- وقاموا به خير قيام كما أسلفنا.
إن محاسبة الحكام بالإنكار على أعمالهم المخالفة للشرع، أو أقوالهم المتناقضة مع الإسلام، لا تعني مطلقًا الإساءة إلى أشخاصهم، لأن كل إنسان سوى النبي الكريم صلى الله عليه وآله وسلم، معرض للخطأ والضلال، فالإنكار عليهم بمحاسبتهم تصلحهم وتقوّم اعوجاجهم، والسعيد من وعظ فاتعظ وحوسب فاستقام.
ولكن الكافر المستعمر، لما استطاع أن يقضي على الدولة الإسلامية وإزالة نظام الخلافة من الوجود، جاء على أثر ذلك بحكام من أبناء المسلمين باسم المسلمين، لا ليحكموهم بالإسلام، ولكن ليحكموهم بغيره ..
وإذا طالب المسلمون بإسلامهم، وحاسب العلماء حكامهم، تجهمت الوجوه وتقطبت العيون، وضاقت الصدور، وغضبت النفوس .. لم كل ذلك يا قوم؟؟ والإسلام دين الله الذي ارتضاه للناس، عبادة وأخلاقًا ودولة وحكما، وتشريعًا وأنظمة، لسائر شؤون الحياة، والحكام قد تولوا أمر المسلمين، والمسلمون أهل البلاد .. ؟؟ وقد قال تعالى: (وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ) [2] .
وقد يتساءل البعض قائلًا، لما لا يُمكّن دعاة الإسلام من محاسبة حكامهم والكفاح في سبيل دينهم سياسيًا، وحكام البلاد الإسلامية ومنها العربية يدعون إلى الديمقراطية ويطبقونها كذاك .. ومن مفاهيمها حرية الرأي التي منها النقد كذا ..
وجواب ذلك عند الراسخين في العلم، وعند النابهين من الأمة عند الحكام أنفسهم؟!
(1) [ص332 مختصر منهاج السنة للذهبي] .
(2) الآية 44 المائدة.