تولى العز بن عبد السلام الملقب بسلطان العلماء، خطابة جامع دمشق من قبل الملك الصالح إسماعيل، في ربيع سنة 637هـ. ولكن لم يدم هذا المنصب للعز طويلًا، إذ عزل منه في سنة 638هـ أثر محاسبة العز رحمه الله تعالى للملك إسماعيل في حادثة الخيانة السياسية المشهورة، لأن العز لم يرض أن تدنس قدسية منبر الجامع التي أرساها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، بالمداهنة والسكوت على الحق. فكان جزاؤه أن عزل وحبس. وإليك الحادثة بالتفصيل:
يذكر المؤرخون الثقاة، أن الملك إسماعيل، خاف من نجم الدين بن أيوب حاكم مصر، فتحالف مع الإفرنج الصليبيين ليساعدوه على نجم الدين، وسلم إليهم لقاء هذه المساعدة قلعة صفد وبلادها وقلعة الشقيف وبلادها، ومناصفة صيدا وطبرية وأعمالها، جبل عامل وسائر بلاد الساحل [1] وكانت مواقع مهمة، وزيادة على ذلك، أذن الملك إسماعيل للفرنج في دخول دمشق وشراء السلاح [2] ، ولكن العز لم يكتف بتلك الفتوى، بل حاسب الملك إسماعيل على فعلته المذكورة هذه، من على المنبر في يوم الجمعة وذم الملك على هذه الخيانة وكشف خطورتها للأمة، وقع من الخطبة الدعاء له، وكان الدعاء يومئذ للسلطان رمز الولاء والطاعة له، وصار يدعو في الخطبة بدعاء منه: ( ... اللهم أبرم لهذه الأمة إبرام رشد تعز فيه أولياؤك، وتذل فيه أعداؤك، ويعمل فيه بطاعتك وينهى فيه عن معصيتك) ، والناس يضجون بالدعاء.
وكان الملك إسماعيل غائبًا عن دمشق فأخبر بذلك فورد كتابه بعزل العز بن عبد السلام عن الخطابة واعتقاله، ولما قدم إلى دمشق أفرج عنه، وجعل عقابه بالإقامة الجبرية بداره، وأن لا يفتي الناس [3] .
وهذا شيخ الإسلام أحمد بن تيمية رحمه الله تعالى، بموقفه الرائع من محاسبة غازان التتري، وهو رابع ملك مسلم من التتار.
وردت الأنباء في أواخر سنة 698هـ بزحف غازان التتري وجيشه من إيران نحو حلب، وفي وادي سلمية يوم 27 ربيع الأول سنة 699هـ التقى جمع غازان بجمع الناصر بن قلاوون، وبعد معركة حامية الوطيس هزم جمع الناصر وولى الجند وأمراؤهم الأدبار، ونزع أعيان دمشق إلى مصر يتبعون سير الناصر، حتى خلت دمشق من حاكم أو أمير أو أعيان البلاد، ولكن شيخ الإسلام بقي صامدًا مع عامة الناس، فاجتمع شيخ الإسلام مع من بقي من أعيان البلاد، واتفق معهم على تولي الأمور وأن يذهب هو على رأس وفد من الشام لمقابلة غازان، فقابله في بلدة النبك، وقد دارت بينهما مناقشة عنيفة، بل محاسبة شيخ الإسلام لغازان على تصرفه هذا ونكثه للعهد، وكلمه كلامًا قويًا شديدًا، أشار إليه ابن كثير في تاريخه [4] وفصله كما سمعه من الشيخ الصالح أبي عبد الله محمد بن عمر البالسي الذي كان من أعضاء وفد المقابلة.
قال البالسي: (إن الشيخ ابن تيمية قال لغازان، وترجمانه يترجم كلام الشيخ: أنت تزعم أنك مسلم ومعك قاض وإمام وشيخ ومؤذنون على ما بلغنا: فغزوتنا وبلغت بلادنا على ماذا؟ وأبوك وجدك كانا كافرين، وما غزوا بلاد الإسلام بعد أن عاهدونا، وأنت عاهدت فغدرت وقلت فما وفيت وجرت لابن تيمية مع غازان أمور قام بها ابن تيمية كلها لله وقال الحق ولم يخش إلا الله عز وجل.
(1) [ذكر ذلك المقريزي في السكوك قسم 2 ج1/ 303 أن غيره من المؤرخين كسبطين الجوزي وغيره فلم يذكروا إلا قلعة الشقيف وصفد. ولم يذكر السبكي إلا مدينة صيدا] .
(2) [طبقات السبكي والسلوك للمقريزي] .
(3) [طبقات السبكي وغيره] .
(4) [ص1 جـ14 وص718 جـ14 من البداية والنهاية] .