الصفحة 48 من 146

جيء بالعالم حطيط الزيات إلى الحجاج، فلما دخل عليه قال: أنت حطيط؟ قال: نعم. قال حطيط: سل عما بدا لك فإني عاهدت الله عند المقام [1] على ثلاث خصال إن سئلت لأصدقن وإن ابتليت لأصبرن وإن عوفيت لأشكرن.

قال الحجاج فما تقول فيّ؟ قال: أقول فيك أنك من أعداء الله في الأرض تنتهك المحارم وتقتل بالظنة، قال: فما تقول في أمير المؤمنين عبد الملك بن مروان، قال: أقول أنه أعظم جرمًا منك، وإنما أنت خطيئة من خطاياه، فأمر الحجاج أن يضعوا عليه العذاب، فانتهى به العذاب إلى أن شقق له القصب، ثم جعلوه على لحمه وشدوه بالحبال، ثم جعلوا يمدون -يسلتون- قصبة قصبة، حتى انتحلوا لحمه، فما سمعوه يقول شيئًا، فقيل للحجاج إنه في آخر رمق، فقال أخرجوه فارموا به في السوق، قال جعفر -وهو الراوي- فأتيته أنا وصاحب له، فقلنا له: حطيط ألك حاجة؟ قال: شربة ماء، فأتوه بشربة ثم استشهد، وكان عمره ثماني عشرة سنة رحمه الله [2] .

شهادة في سبيل الله نالها حطيط وتلك مظلمة للحجاج يبوء بإثمها وعليه عقابها الشديد يوم يجتمع الخصوم عند مليك مقتدر عادل.

لما دخل عبد الله بن علي دمشق، بعد أن أجلى بني أمية عنها، طلب الأوزاعي، فتغيب عنه ثلاثة أيام ثم حضر بين يديه، قال الأوزاعي:"دخلت عليه وهو على سرير وفي يديه خيزرانة، والمسودة عن يمينه وشماله، معهم السيوف مصلتة، والغمد والحديد، فسلمت عليه فلم يرد، ونكث بتلك الخيزرانة التي في يده ثم قال:"

"يا أوزاعي ما ترى فيما صنعناه من إزالة أيدي أولئك الظلمة عن العباد، والبلاد؟ أجهادًا ورباطًا هو؟"فقلت"أيها الأمير سمعت يحيى بن سعيد الأنصاري يقول، سمعت محمد بن إبراهيم التميمي يقول، سمعت علقمة بن وقاص يقول، سمعت عمر بن الخطاب يقول، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إنما الأعمال بالنيات وإن لكل امرىء ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله، فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها، أو امرأة يتزوجها، فهجرته إلى ما هاجر إليه" [3] .

فنكث بالخيزرانة أشد ما ينكث، وجعل مَن حوله يقبضون أيديهم على قبضات سيوفهم، ثم قال:

"يا أوزاعي، ما تقول في دماء بني أمية؟ فقلت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، لا يحلّ دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث، النفس بالنفس والثيب الزاني والتارك لدينه المفارق للجماعة" [4] .

فنكث بها أشد من ذلك، ثم قال:

ما تقول في أموالهم؟

قلت:

"إن كانت في أيديهم حرامًا فهي حرام عليك أيضًا، وإن كانت حلالًا فلا تحل لك إلا بطريق شرعي"فنكث أشد ما كان ينكث قبل ذلك ثم قال:

"ألا نوليك القضاء؟".

قلت:

"إن أسلافك لم يكونوا يشقون علي في ذلك وإني أحب أن يتم ما ابتدأوني به من الإحسان".

فقال:"كأنك تحب الانصراف؟"

قلت: إن ورائي حرمًا، وهن يحتجن إلى القيام عليهن وسترهن، وقلوبهن مشغولة بسببي.

انتظرت رأسي أن يسقط بين يدي، فأمرني بالانصراف [5] .

روي أن أبا جعفر المنصور استدعى ابن طاوس أحد علماء عصره، ومعه مالك بن أنس رحمهما الله تعالى فلما دخلا عليه، أطرق ساعة ثم التفت إلى ابن طاوس، فقال له: حدثني عن أبيك يا ابن طاوس (ابن كيسان التابعي) فقال حدثني أبي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال (إن أشد الناس عذابًا يوم القيامة رجل أشركه الله في حكمه فأدخل عليه الجور في عدله) [6]

(1) [مقام سيدنا إبراهيم عند الكعبة المشرفة] .

(2) [ص54 جـ5 الإحياء] .

(3) متفق عليه.

(4) متفق عليه.

(5) [عدد71 مجلة العربي 1964 -الأوزاعي فقيه أهل الشام] .

(6) روى أبو يعلى في مسنده بإسناد ضعيف عن أبي سعيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أشد الناس عذابًا يوم القيامة إمام جائر) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت