فأمسك ساعة، قال مالك فضممت ثيابي مخافة أن يملأني من دمه، ثم التفت إليه أبو جعفر فقال: عظني يا ابن طاوس: قال نعم يا أمير المؤمنين إن الله تعالى يقول: (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ، إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ، الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ، وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ، وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ، الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ، فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ، فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ، إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ) [1] قال مالك: فضممت ثيابي مخافة أن يملأني من دمه، فأمسك عنه ثم قال: ناولني الدواة، فأمسك ساعة حتى اسود بيننا وبينه ثم قال: يا ابن طاوس ناولني هذه الدواة، فأمسك عنه، فقال: ما يمنعك أن تناولنيها؟ فقال أخشى أن تكتب بها معصية لله، فأكون شريكك فيها.
فلما سمع ذلك قال: قوما عني، قال ابن طاوس ذلك ما كنا نبغي منذ اليوم، قال مالك فما زلت أعرف لابن طاوس فضله [2] مع شدة هذه الموعظة ورد طلب المنصور بهذا الأسلوب العنيف أجاب المنصور معاتبًا: قوما عني.
قال القعقاع بن حكيم: كنت عند المهدي وأتي بسفيان الثوري كبير علماء المسلمين في عصره، فلما دخل عليه سلم ولم يسلم بالخلافة، والربيع قائم على رأسه متكئًا على سيفه يرقب أمره، فأقبل عليه المهدي بوجه طلق وقال له: يا سفيان تفر ههنا وههنا وتظن أن لو أردناك بسوء لم نقدر عليك؟ فقد قدرنا عليك الآن. أفما تخشى أن نحكم فيك بهوانا؟ قال سفيان: إن تحكم فيّ يحكم فيك ملك قادر يفرق بين الحق والباطل.
فقال الربيع له: يا أمير المؤمنين ألهذا الجاهل أن يستقبلك بمثل هذا؟ أتأذن لي أن أضرب عنقه، فقال له المهدي، اسكت ويلك وهل يريد هذا وأمثاله إلا أن نقتلهم فنشقى لسعادتهم، اكتبوا عهده على قضاة الكوفة على أن لا يعترض عليه في حكم، فكتب عهده ودفعه إليه، فأخذه وخرج ورمى به في دجلة، وغاب عن أنظار الناس فطلب في كل بلد، فلم يوجد فعين مكانه شريك النخعي [3] . هؤلاء الحكام كانوا يدركون ما يقولون ويؤمنون بما ينطقون بأن قتل العالم شقاء يحصل عليه القاتل وسعادة ينالها المقتول.
قال الفضل بن الربيع: كنت بمنزلي ذات يوم وقد خلعت ثيابي وتهيأت للنوم، فإذا بقرع شديد على بابي فقلت في قلق من هذا، قال الطارق: أجب أمير المؤمنين، فخرجت مسرعًا أتعثر في خطوي فإذا بالرشيد قائمًا على بابي وفي وجهه تجهم حزين، فقلت يا أمير المؤمنين: لو أرسلت إليّ أتيتك فقال: ويحك قد حاك في نفسي شيء أطار النوم من أجفاني وأزعج وجداني شيء لا يذهب به إلا عالم تقي من زهادك، فانظر لي رجلًا أسأله.
(1) الآيات 6 - 14 من سورة الفجر.
(2) [ص260 جـ1 تذكرة الحفاظ] .
(3) [ص160 جـ1 تذكرة الحفاظ] .