الصفحة 50 من 146

ثم يقول الربيع حتى جئت به إلى الفضل بن عياض، فقال الرشيد امض بنا إليه، فأتيناه، وإذا هو قائم يصلي في غرفته وهو يقرأ قوله تعالى (أًمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أّن نَّجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاء مَّحْيَاهُم وَمَمَاتُهُمْ سَاء مَا يَحْكُمُونَ) [1] [2] فقال الرشيد إن انتفعنا بشيء فبهذا، فقرعت الباب، فقال الفضل: من هذا؟ قلت أجب أمير المؤمنين، فقال: ما لي ولأمير المؤمنين، فقلت: سبحان الله أما عليك طاعته؟ فقال: أو ليس قد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم: (إنه ليس للمؤمن أن يذل نفسه) [3] فنزل ففتح الباب، ثم ارتقى الغرفة فأطفأ السراج، ثم التجأ إلى زاوية من زوايا الغرفة فجعلنا نجول عليه بأيدينا فسبقت كف الرشيد كفي إليه، فقال أواه من كف ما الينها إن نجت من عذاب الله تعالى.

قال الربيع: فقلت في نفسي ليكلمنه الليلة بكلام نقي من قلب تقي.

فقال الرشيد: خذ فيما جئناك له يرحمك الله، قال الفضل بن عياض وفيما جئت وقد حملت نفسك ذنوب الرعية، التي سمتها هوانا وجميع من معك من بطانتك وولاتك تضاف ذنوبهم يوم الحساب، فبك بغوا وبك جاروا وهم مع هذا أبغض الناس لك وأسرعهم فرارًا منك يوم الحساب، حتى لو سألتهم عند انكشاف الغطاء عنك وعنهم، أن يحملوا عنك سقطًا -جزءًا- من ذنب ما فعلوه، ولكان أشدهم حبًا لك أشدهم هربًا منك ثم قال: إن عمر بن عبد العزيز لما ولي الخلافة دعا سالم بن عبد الله ومحمد بن كعب ورجاء بن حياة -وهم ثلاثة من العلماء الصالحين- قال لهم: إني قد ابتليت بهذا البلاء فأشيروا عليّ، فعد الخلافة بلاء وعددتها أنت وأصحابك نعمة.

فقال له سالم بن عبد الله: إن أردت النجاة غدًا من عذاب الله فصم عن الدنيا وليكن إفطارك فيها الموت.

وقال له محمد بن كعب: إن أردت النجاة من عذاب الله فليكن كبير المسلمين عندك أبا وأوسطهم عندك أخًا وأصغرهم عندك ابنًا، فوقر أباك وأكرم أخاك وتحنن على ولدك.

وقال رجاء بن حياة: إن أردت النجاة غدًا من عذاب الله فأحب للمسلمين ما تحب لنفسك وأكره لهم ما تكره لنفسك ثم مت إن شئت.

وإني أقول لك: يا هارون إني أخاف عليك أشد الخوف يومًا تزل فيه الأقدام، فبكى هارون.

قال ابن الربيع: فقلت أرفق بأمير المؤمنين، فقال: تقتله أنت وأصحابك وأرفق به أنا؟

ثم قال: يا حسن الوجه أنت الذي يسألك الله عز وجل عن هذا الخلق يوم القيامة، فإن استطعت أن تقي هذا الوجه فافعل، وإياك أن تصبح أو تمسي وفي قلبك غش لأحد من رعيتك، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من أصبح لهم غاشًا لم يرح رائحة الجنة) [4] فبكى الرشيد ثم قال: هل عليك دين؟ فقال: نعم، دين لربي لم يحاسبني عليه، فالويل لي إن سألني والويل لي إن ناقشني، والويل لي إن لم ألهم حجتي. قال الرشيد: إنما أعني دين العباد فقال: إن ربي لم يأمرني بهذا وقد قال عز وجل: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ، مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ، إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ) [5] .

(1) آية 21 من سورة الجاثية.

(2) [ص263 جـ1 تذكرة الحفاظ] .

(3) أخرجه الترمذي وقال: هذا حديث حسن غريب. قال أبو العلاء المباركفوري: في سنده علي بن زيد وهو ضعيف؛ وإنما حسن حديثه الترمذي؛ لأنه صدوق عنده، وأخرجه أحمد أيضًا من طريقه. أهـ (تحفة الأحوذي 6/ 529) .

(4) انظر"كنز العمال"4/ 886، وفي سنده جهم بن أبي جهم، قال عنه الذهبي في الميزان: لا يُعرف. أهـ

(5) الآيات 56 - 58 من سورة الذاريات.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت