فقال الرشيد: هذه ألف دينار خذها وأنفقها على عيالك وتقوّ بها على عبادتك، قال: سبحان الله، أنا أدلك على طريق النجاة، وأنت تكافئني بمثل هذا؟ قال ابن الربيع: فخرجنا من عنده، فقال هارون: إذا دللتني على رجل فدلني على مثل هذا، هذا سيد المسلمين اليوم [1] . وكيف لا يكون سيد المسلمين في زمانه وهو القائل: لو زهد العلماء في الدنيا خضع لهم الجبابرة. نعم هذا سيد المسلمين اليوم، لصدق حديثه وقوة إيمانه وزهده العظيم في الحياة وصلابة موقفه مع أمير المؤمنين الذي جاءه ملتمسًا التذكر فاستمع باكيًا وخرج شاكرًا.
أدخل على أبي جعفر المنصور، العالم الجليل سفيان الثوري، وسأله أن يرفع إليه حاجته، فأجابه: اتق الله فقد ملأت الأرض ظلمًا وجورًا، فطأطأ المنصور رأسه ثم عاد عليه السؤال، فأجابه: إنما أنزلت هذه المنزلة بسيوف المهاجرين والأنصار، وأبناؤهم يموتون جوعًا، فاتق الله وأوصل إليهم حقوقهم. فطأطأ المنصور شاكرًا ثم كرر السؤال، ولكن سفيان تركه وانصرف [2] .
حين قدم سليمان بن عبد الملك المدينة وهو يريد مكة، أرسل إلى عالمها الجليل أبي حازم فلما دخل عليه قال له سليمان: يا أبا حازم، ما لنا نكره الموت؟ فقال: لأنكم خربتم آخرتكم وعمرتم دنياكم، فكرهتم أن تنتقلوا من العمران إلى الخراب، فقال سليمان: يا أبا حازم، كيف القدوم على الله؟ قال: يا أمير المؤمنين، أما المحسن فكالغائب يقدم على أهله، وأما المسيء فكالآبق يقدم على مولاه. فبكى سليمان، وقال: ليت شعري ما لي عند الله؟
قال أبو حازم: أعرض نفسك على كتاب الله تعالى، حيث قال: (إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ، وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ) [3] . قال سليمان: فأين رحمة الله؟ قال: قريبًا من المحسنين، قال: يا أبا حازم، أي عباد الله أكرم؟ فقال: أهل البر والتقوى، قال: فأي الأعمال أفضل؟ فقال: أداء الفرائض مع اجتناب المحارم، قال: أي الكلام أسمع؟ فقال: قول الحق عند من تخاف وترجو. قال: فأي المؤمنين أخسر؟ فقال: رجل خطأ في هوى أخيه وهو ظالم فباع آخرته بدنيا غيره، قال سليمان: ما تقول فيما نحن فيه؟ فقال: أوتعفيني؟ قال: لا بد فإنها نصيحة تلقيها إلي. فقال: إن آباءك قهروا الناس بالسيف، وأخذوا هذا الملك عنوة على غير مشورة من المسلمين ولا رضا منهم، حتى قتلوا منهم مقتله عظيمة وقد ارتحلوا عنها، فلو شعرت بما قالوا وما قيل لهم. فقال رجل من جلسائه: بئسما قلت. قال أبو حازم: إن الله قد أخذ الميثاق على العلماء ليبينه للناس ولا يكتمونه [4] .
أسمعت يا أخي مقالة الشيخين الجليلين سفيان وأبي حازم لخليفتين المنصور وسليمان بأيديهما كل أسباب القوة وهل علمت نتيجة صدق الجواب، وخشونة الكلام وقسوة اللفظ عند من يخشى الله تعالى ولو ساعة من نهار.
(1) حلية الأولياء 8/ 107.
(2) [ص120 ج5 الإحياء] .
(3) الآيات 13 - 14 من سورة الإنفطار.
(4) [ص121 ج5 الإحياء] .