دعا عمر بن هبيرة فقهاء أهل البصرة وأهل الكوفة وأهل المدينة، وأهل الشام، فجعل يسألهم واحدًا واحدًا، ثم طلب منهم الانصراف وخلا بالشعبي عالم أهل الكوفة، وبالحسن البصري عالم أهل البصرة، فأقبل على الشعبي فقال: يا أبا عمرو: إني أمين أمير المؤمنين على العراق وعامله عليها، ورجل مأمور على الطاعة، ابتليت بالرعية ولزمني حقهم، فأنا أحب حفظهم وأتعهد ما يصلحهم مع النصيحة لهم، وقد يبلغني عن العصابة من أهل الديار الأمر أجد عليهم فيه، فأقبض طائفة من عطائهم، فأضعه في بيت المال، ومن نيتي أن أرده عليهم، فيبلغ أمير المؤمنين أني قد قبضته على ذلك النحو، فيكتب إليّ أن لا ترده فلا أستطيع رد أمره ولا إنفاذ كتابه، وإنما أنا رجل مأمور على الطاعة، فهل عليّ في هذا تبعة؟ وفي أشباهه من الأمور، والنية فيها على ما ذكرت.
قال الشعبي: فقلت أصلح الله الأمير، إنما السلطان والد يخطئ ويصيب، قال: فسر بقولي وأعجب به، ورأيت البشر في وجهه، وقال: فلله الحمد، ثم أقبل على الحسن، فقال: ما تقول يا أبا سعيد؟ قال: لقد سمعت قول الأمير يقول: إنه أمين أمير المؤمنين على العراق وعامله عليها، ورجل مأمور على الطاعة، ابتليت بالرعية ولزمني حقهم والنصيحة لهم. والتعهد بما يصلحهم، وحق الرعية لازم له وحق عليك أن تحوطهم بالنصيحة، وإني سمعت عبد الرحمن بن سمرة القرشي صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من استرعى رعية فلم يحطها بالنصيحة حرم الله عليه الجنة) [1] ، ويقول الأمير إني ربما قبضت من عطائهم إرادة صلاحهم واستصلاحهم، وأن يرجعوا إلى طاعتهم فيبلغ أمير المؤمنين أني قبضتها على ذلك النحو، فيكتب إلي أن لا ترده، فلا أستطيع رد أمره، ولا أستطيع إنفاذ كتابه، وحق الله ألزم من حق أمير المؤمنين، والله أحق أن يطاع ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، فأعرض كتاب أمير المؤمنين على كتاب الله تعالى فإن وجدته موافقًا لكتاب الله فخذ به وإن وجدته مخالفًا لكتاب الله فانبذه، يا ابن هبيرة، اتق الله فإنه يوشك أن يأتيك رسول من رب العالمين، يزيلك عن سريرك ويخرجك من سعة قصرك إلى ضيق قبرك، فتدع سلطانك ودنياك خلف ظهرك، وتقدم إلى ربك وتنزل على عملك.
يا ابن هريرة: إن الله ليمنعك من يزيد وإن يزيدًا لا يمنعك من الله وإن أمر الله فوق كل أمر، وإنه لا طاعة لمخلوق في معصية الله، وإني أحذرك بأسه الذي لا يرد عن القوم المجرمين.
فقال ابن هبيرة: أربع على ظلعك، وأعرض عن ذكر أمير المؤمنين، فإن أمير المؤمنين صاحب العلم وصاحب الحكم، وصاحب الفضل، وإنما ولاه الله ما ولاه من أمر هذه الأمة، لعلمه به وما يعلمه من فضله ونيته، فقال الحسن: يا ابن هبيرة: الحساب من ورائك سوط بسوط، وغضب بغضب والله بالمرصاد.
يا ابن هبيرة: إنك إن تلق من ينصح لك في دينك ويحملك على أمر آخرتك خير من أن تلق رجلًا يغرنك ويمنيك، فقام ابن هبيرة وقد بسر وجهه وتغير لونه.
قال الشعبي فما رأيت مثل الحسن فيمن رأيت من العلماء إلا مثل الفرس العربي بين المقارف، وما شهدنا مشهدًا إلا برز علينا، وقال لله تعالى، ثم قال الشعبي: أنا أعاهد الله أن لا أشد سلطانًا بعد هذا المجلس فأحابيه [2] .. لا عجب من موقف هذا الإمام، فهو من جُل التابعين وصلحاء المؤمنين وزهاد العلماء، ولكن إن تعجب فاعجب من أمثال ابن هبيرة عامل يزيد بن معاوية لذلك الكلام الشديد. أرأيت موقف هؤلاء الحكام مع ظلمهم؟! مع سادة العلماء وأئمة المسلمين.
(1) تقدم تخريجه.
(2) [ص76 جـ5 الإحياء] .