فهرس الكتاب

الصفحة 200 من 265

كثير من الرحالة المسلمين والاوروبيين والمبشرين عن الموسيقى

التقليدية، الا انهم نظروا اليها وفقا لمقاييسهم هم، وبعيدا عن محيطها

الاجتماعي والثقافي، وبعيدا عن الغرض الذي انشئت من اجله، الا ان العمل

الموسيقي، ليس هو ترتيب الاصوات، ولكنه تعبير رمزي للنظام الاجتماعي

والثقافي، يعكس قيم الماضي والحاضر للافراد الذين يصنعونه، لذلك فان

منطق ومعنى النظم الموسيقية التقليدية لا يمكن فهمه جيدا بدون الرجوع

للظواهر الثقافية التي هو جزء منها.

ويمكن ملاحظة ثلاث سلطات اساسية في مجتمع البرتا تمثل اساس النظام

الاجتماعي السياسي والعقائدي والفني هي: شيخ القرية: وهو يمثل السلطة

السياسية «الحكومة» التي تحفظ قواعد سلوك الناس التي تقرها الدولة

وتصوغها في شكل قوانين، وهو السلطة السياسية التي تقف على انفاذ

القوانين، الا ان سلطته هذه تتعطل ابان فترة عادة «الهوكي» وتؤل «لشيخ

المادة» ويكون مواطنا عاديا يتوجب عليه الالتزام بكل متطلبات هذه

العادة، والا عرض نفسه للعقوبة التي تقرها السلطة العقائدية.. وهو كفرد

من «البرتا» يحتاج الى الطقوس التي يؤديها «شيخ العادة» ، وهو يمارس

الرقص والغناء والعزف على «الوازا» ويحتاج اليها اذا ما استنفر الناس

للحصاد او بناء منزل او مخزن ذرة «سوبية» .

و «شيخ العادة» يتحول أثناء فترة العادة التي تستمر طوال شهر اكتوبر الى

موقع الصدارة، ولا تكون هناك سلطة غير سلطته، حيث تحميه قوانين طقسية

عقائدية تتقهقر امامها القوانين البشرية الى المرتبة الثانية، وهو

يستند الى قوة خفية يخشاها الناس ويهابونها ويترجونها، وله من التبجيل

وطقوس التوقير والاحترام مما لا يتوفر لشخص سواه، حتى اذا ما قام الناس

بإرضاء القوى الخفية التي يعتقدون انها تسيطر على النواميس الكونية،

التي يتعامل وحده معها، وانتهت فترة العادة، عاد مواطنا عاديا. يخضع

للسلطة السياسية، وتسري عليه القوانين التي تسري على الجميع.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت