و"تجمع دراسات اللسانيين المحدثين على أن الهمز خاصة من الخصائص البدوية التي اشتهرت بها تميم وما جاورها من قبائل وسط الجزيرة وشرقيها كغني وعكل وأسد وعقيل وقيس وبني سلامة من أسد، ويعلل بعضهم ذلك بأن تحقيق الهمز يخفف من عيب السرعة في النطق التي اتسمت بها هذه القبائل البدوية، أما عدم الهمز فهو خاصة حضرية امتازت بها لهجة القبائل في شمال الجزيرة وغربها كأهل الحجاز وهذيل وأهل مكة والمدينة وكنانة وثقيف وهوازن وتعليل ذلك أن ما اتسم به نطق هؤلاء من التأني والاتئاد لم يكن بحاجة إلى المزيد من مظاهر الأناة فعمدوا إلى إهمال الهمز وتسهيله" [1] .
فاللهجة الحجازية تجتنب تحقيق الهمز أو النطق بالهمزة، بصفتها أداة فعالة في النبر، في مواضع كثيرة من كلامها وتعتمد أساليب أخرى للنبر تعويضًا عن أسلوب النبر بالهمزة، ومن هذه الأساليب إشباع المد في أصوات المد السابقة للهمزة المحذوفة، ومنها تضعيف الحرف السابق للهمزة بعد حذفها تعويضًا عنها سواء كان هذا الحرف حرف لين في مثل خطيّة بدل خطيئة ومقرّوة بدل مقرؤة والنسيّ بدل النسيء أم حرفًا صحيحًا [2] .
وهكذا وجدنا في لسان أهل الحجاز مستويات ثلاثة من النبر فهم حين اجتمعت في الكلمة (حركة قصيرة + همزة) في مثل رأس وذئب - اسقطوا الهمزة التي لاتناسب نبرهم، ولجأوا إلى أن يعوضوا موقعها بوساطة نبر الطول، فنطقوا الكلمتين، راس وذيب، محققين بذلك هدفين: أولهما: نبر المقطع ذاته بطول الحركة، وثانيهما: الاحتفاظ بالإيقاع المقطعي - أعني زنة الكلمة كما لو كانت مهموزة وحين اجتمعت في الكلمة (فتحة طويلة + همزة + حركة قصيرة) في مثل سائل، وقائل أسقطوا الهمزة على عادتهم، واحتفظوا لها بموقعها أيضًا، فتحول نبر التوتر الهمزي إلى نبر طول، يتحمله العنصر الثاني من المزدوج، وهو بداية المقطع المنبور، وحين اجتمعت في الكلمة (كسرة طويلة أو ضمة طويلة + همزة + حركة قصيرة) في مثل: خطيئة ومقروءة - أسقطوا الهمزة واحتفظوا لها بموقعها صورة نبر التوتر المضعَّف، فقالوا خطيّة ومقروّة، وحين اجتمعت
(1) القراءات القرآنية وعلاقتها بالأصوات واللهجات: 295.
(2) ينظر: الظواهر اللغوية في قراءة أهل الحجاز: 25، القراءات القرآنية في ضوء علم اللغة الحديث: 110.