ولأجل هذه الفضائل كان السلف الصالح من الصحابة رضي الله عنهم ومَنْ بعدهم أحرص الناس على هذه الشعيرة العظيمة؛ فتسابقوا في بذل أنفسهم رخيصة في سبيل الله عز وجل راجين هذه الفضائل العظيمة، وعلى رأسها رضوان الله عز وجل ورحمته وجنته· وأسوق فيما يلي نماذج من حرص السلف على هذه الشعيرة العظيمة:
-وعَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ قَالَ:"أَقْبَلَ صُهَيْبٌ مُهَاجِرًا نَحْوَ الْمَدِينَةِ وَاتَّبَعَهُ نَفَرٌ مِنْ قُرَيْشٍ فَنَزَلَ عَنْ رَاحِلَتِهِ وَانْتَشَلَ مَا فِي كِنَانَتِهِ، ثُمَّ قَالَ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، لَقَدْ عَلِمْتُمْ أَنِّي مِنْ أَرْمَاكُمْ رَجُلًا، وَايْمُ اللَّهِ، لَا تَصِلُونَ إِلَيَّ حَتَّى أَرْمِيَ بِكُلِّ سَهْمٍ مَعِيَ فِي كِنَانَتِي، ثُمَّ أَضْرِبَكُمْ بِسَيْفِي مَا بَقِيَ فِي يَدِي مِنْهُ شَيْءٌ، فَافْعَلُوا مَا شِئْتُمْ، فَإِنْ شِئْتُمْ دَلَلْتُكُمْ عَلَى مَالِي وَخَلَّيْتُمْ سَبِيلِي، قَالُوا: نَعَمْ، فَفَعَلَ، فَلَمَّا قَدِمَ عَلَى النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ:"رَبِحَ الْبَيْعُ أَبَا يَحْيَى رَبِحَ الْبَيْعُ"،قَالَ: وَنَزَلَتْ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ" [1] .
وعَنْ صُهَيْبٍ، قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - إِلَى الْمَدِينَةِ وَخَرَجَ مَعَهُ أَبُو بَكْرٍ، وَكُنْتُ قَدْ هَمَمْتُ بِالْخُرُوجِ مَعَهُ وَصَدَّنِي فَتَيَانِ مِنْ قُرَيْشٍ، فَجَعَلْتُ لَيْلَتِي تِلْكَ أَقُومُ لَا أَقْعُدُ، وَقَالُوا: قَدْ شَغَلَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَنْكُمْ بِبَطْنِهِ، وَلَمْ أَكُنْ شَاكِيًا، فَقَامُوا فَخَرَجْتُ فَلَحِقَنِي مِنْهُمْ نَاسٌ بَعْدَمَا سِرْتُ يُرِيدُونَ رَدِّي، فَقُلْتُ لَهُمْ: هَلْ لَكُمْ أَنْ أُعْطِيَكُمْ أَوَاقِيَّ مِنْ ذَهَبٍ وَحُلَّتَيْنِ لِي بِمَكَّةَ وَتُخْلُونَ سَبِيلِي وَتُوثِقُونَ لِي، فَفَعَلُوا فَتَبِعْتُهُمْ إِلَى مَكَّةَ فَقُلْتُ: احْفُرُوا تَحْتَ أُسْكُفَّةِ الْبَابِ فَإِنَّ تَحْتَهَا الْأَوَاقِيَ، وَاذْهَبُوا إِلَى فُلَانَةَ بِآيَةِ كَذَا وَكَذَا فَخُذُوا الْحُلَّتَيْنِ،
(1) - الطَّبَقَاتُ الْكُبْرَى لِابْنِ سَعْدٍ (3351) صحيح لغيره.
راحلته: الراحلة: البعير القوي على الأسفار والأحمال، وسواء فيه الذكر والأنثى.=وانتثل: الانتثال: استخراج ما فيها من النُّشاب.=كِنانته: الكنانة: الجُعبة.