750 -عن حذيفة قال: كان رجلٌ ممَّن [1] كان قبلكم يُسيءُ الظَّنَّ بعمله.
جاء في وصف هذا أربعة أشياء؛ أحدها: أنَّه كان نبَّاشًا، وهذا في «البخاريِّ، الثاني: أنَّه مِن بني إسرائيل، وهذا في «البخاري» ما يرشد إليه، فإنَّه ذكره في (باب ما ذكر عن بني إسرائيل) قال: وقال عقبة بن عمرو: وأنا سمعته يقول ذلك، وكان نبَّاشًا، والثالث: أنَّه آخر أهل النار خروجًا، وآخر أهل الجنَّة دخولًا، والرابع: أنَّه كان يقول: أجرني مِنَ النار، مقتصرًا على ذلك.
وجاء في الأوَّلين [2] ما أخرجه الطبرانيُّ مِن حديث عبد الملك بن عمير، عن ربعيِّ بن حِراش [3] قال: بينما حذيفة وعقبة بن عمرو أبو [4] مسعودٍ جالِسَين [5] فقال أحدهما: سمعت رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّمَ يقول: «إنَّ رجلًا مِن بني إسرائيل كان ينبش القبور، فقال
ص 242
لأهله: إذا متُّ فحرِّقوني، ثمَّ خذوا أعظمي فاطحنوها، ثمَّ انظروا يومًا رائحًا فاذروني [6] فيه، ففُعل ذلك، فقال له ربُّه: لم فعلت ذلك؟ فقال: مخافتك، فغفر له»، فقال عقبة: وأنا سمعت النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّمَ يقوله [7] ، انتهى.
ومِن هذه الطريقة خرَّجه البخاري في (باب: ما ذكر عن بني إسرائيل) وصرَّح بأنَّ حذيفة هو المحدِّث بسؤال عقبة بن عمرو من طريق عبد الملك عن ربعيٍّ.
وأما الثالث: ففي «صحيح أبو عوانة» في (باب: صفة الشفاعة) مِن طريق حذيفة بن اليمان عن أبي بكر الصِّدِّيق رضي الله عنه قال: أصبح النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّمَ ذات يومٍ فصلَّى الغداة ثمَّ جلس، حتَّى إذا كان مِنَ الضحى ضحك رسول الله [8] صلَّى الله عليه وسلَّمَ، فذكر حديث الشفاعة، وفي آخره: «ثمَّ يقول الله تبارك وتعالى: انظروا في النار هل مِن [9] أحد عمل خيرًا قطُّ؟، قال: فيجدون في النار رجلًا، فيقال له: هل عملتَ مِن خيرٍ قطُّ؟، فيقول: لا، غير أنِّي كنت أسامح الناس في البيع، فيقول: اسمحا لعبدي كإسماحه [10] إلى عبيدي، ثمَّ يُخرجون مِنَ النار رجلًا آخر، فيقول: هل عملت خيرًا قطُّ؟ فيقول: لا، غير أنِّي أمرت ولدي إذا متُّ فأحرقوني ثمَّ اطحنوني حتَّى إذا كنتُ مثل الكُحل فذُرُّوني [11] في الريح، فقال الله تعالى: لم فعلت ذلك؟ قال: من مخافتك، قال: فيقول: انظر إلى مُلكِ أعظمِ مَلِك، فإنَّ لك مثله وعشرة أمثاله، قال: فيقول: لم تسخر بي وأنت الملك؟! فذلك الذي ضحكتُ منه مِنَ الضحى» .
ولا يعترض في ذلك بقوله في الرواية التي نحن فيها مِن البخاري: «فما تلافاه أن رحمه» ، وقوله في رواية: «فأمر الله البحر فجمع ما فيه، والبرَّ كذلك، ثمَّ قال له: لم فعلت ذلك؟ قال: مِن مخافتك، فغُفِرَ له» ؛ لجواز أن يحمل ذلك على أنَّ هذا القول يكون [12] بعد إخراجه مِنَ النار لتجتمع الأحاديث [13] .
وأمَّا الرابع: ففي «الزهد» لابن المبارك، في زيادات الحسن [14] مِن طريق موسى بن عبيدة الربذيِّ، عن محمَّد بن كعب القرظيِّ، عن عوف بن مالكٍ الأشجعيِّ قال: قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّمَ: «قد علمتُ آخر أهل [15] الجنَّة دخولًا الجنَّة، رجلٌ كان يسأل الله عزَّ وجلَّ في الدنيا أن يجيره مِنَ النَّار، ولا يقول:
ص 243
أدخلني الجنَّة، فإذا دخل أهلُ الجنَّة الجنَّةَ، وأهلُ النار النارَ بقي فيما بين ذلك فيقول: يا ربِّ؛ ما لي ههنا؟ فيقول الله عزَّ وجلَّ: عبدي، هذا ما كنتَ تسألُني يا ابن آدم، فيقول: يا ربِّ قرِّبني إلى باب الجنَّة أنظر إليها فأجد مِن ريحها، قال: فيقرَّب مِن باب الجنَّة فيرى شجرة في الجنة عند باب الجنَّة، فيقول: يا ربِّ؛ قرِّبني مِن هذه الشجرة أستظلَّ بظلِّها وآكل [16] مِن ثمرها، فيقول: يا ابن آدم، ألم تقل؟ فيقول: يا ربِّ؛ وأين لي مثلك؟ [فلا يزال يرى شيئًا أفضل مِن شيء فيسأل أن يقرَّب إليه، فيقال له: يا [17] ابن آدم ألم تقل؟ فيقول: يا ربّ وأين لي [18] مثلك] [19] ؟ فيقال [20] له: اذهب في الجنَّة ولك ما بلغَتْ قدماك وما نظرتْ عيناك، قال: فيسعى في الجنَّة، حتى إذا بلَّح قال: ذلك [21] لي؟! فيقول الله تبارك وتعالى له [22] : ذلك لك ومثله وعشرة أمثاله معه» انتهى.
ولا يعترض على ذلك بأن يقال: هذا لم يدخل النَّار، والذي في رواية أبي عوانة: دخل النار وأُخرِجَ [23] منها؛ لجواز [24] أن يحمل ذلك على أن يخرج مِنَ النار ثمَّ يترك بينها وبين الجنَّة، ويحمل دعاؤه بالإجارة على أنَّه أجير مِنَ الخلود، وحيث ثبت هذا، فيكون هذا هو الذي تُعرض عليه صغار ذنوبه ويشفق مِن كبارها؛ ففي «صحيح مسلم» في أحاديث (الإيمان) قبيل (الوضوء) : عن أبي ذرٍّ قال: قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّمَ: «إنِّي لأعلم [25] آخر أهل الجنَّة دخولًا الجنَّة، وآخر أهل النار خروجًا منها، رجلٌ يؤتى به يوم القيامة فيقال: اعرضوا عليه صغار ذنوبه وارفعوا عنه كبارها، فتُعرض عليه صغار ذنوبه وترفع عنه كبارها» الحديث، وينبغي أن نعدَّ هذا أمرًا خامسًا، وقد طال منَّا هذا العمل، ولكن ذكرناه للفوائد.
وفي «تذكرة القرطبيِّ» : وقال ابن عمر: آخرُ مَن يدخل الجنَّة رجلٌ مِن جُهينة يقال له: جُهينة، يقول أهل الجنَّة: عند جُهينة الخبر اليقين، ذكره الميانشيُّ، ورواه الخطيب مِن حديث عبد الملك بن الحكم قال [26] : حدَّثنا مالك بن أنس عن نافع عن ابن عمر فذكره، وفي آخره: سلوه هل بقي مِنَ الخلائق أحدٌ، ورواه الدارقطني في كتاب «رواة مالك» ، ذكره السهيليُّ، وقد قيل: إنَّ اسمه هنَّاد. [خ¦6480]
ص 244
[1] في (أ) و (م) : (فيمن) .
[2] في (أ) : (الأوليين) .
[3] في (أ) : (خراش) ، وهو تصحيف.
[4] في (أ) : (وأبو) ، وليس بصحيح.
[5] في (م) : (جالين) ، وهو تحريف.
[6] في (ق) : (فاذرواني) ، والمثبت هو الصواب.
[7] في (م) : (يقول) .
[8] في (أ) و (م) : (النبي) .
[9] (من) : ليس في (م) .
[10] في (م) : (كما سماحه) .
[11] في (أ) : (وذكروني) .
[12] (يكون) : ليس في (ق) .
[13] في (ق) : (الأحايث) و وهو تحريف.
[14] في (أ) : (الحسين) .
[15] (أهل) : ليس في (ق) و (م) .
[16] في (أ) : (ولكل) ، وهو تحريف.
[17] (يا) : ليس في (ق) .
[18] في (أ) : (بي) ، وكذا في الموضع اللاحق.
[19] ما بين معقوفين سقط من (م) .
[20] في (أ) : (فيقول) .
[21] في (م) : (ذاك) .
[22] (له) : ليس في (ق) .
[23] في (ق) : (وخرج) ، ولعلَّ المثبت هو الأصح.
[24] في (م) : (فالجواز) .
[25] في (أ) : (لا أعلم) ، وفي (م) : (أعلم) .
[26] (قال) : ليس في (ق) .