104 -عن عبد الله بن عُمر: أنَّ عمر بن الخطاب [1] رضي الله عنه رأى حُلَّةً سِيَراء عند باب المسجد.
وفيه: وقد قلتَ في حُلَّة عُطاردٍ ما قلتَ.
عطارد هذا: هو عطارد بن [2] حاجب بن زُرَارَة التميميُّ، وله قصَّة ذكرها ابن الأثير في «أسد الغابة» فقال: وفد على النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّمَ في طائفةٍ مِن وجوه تميم منهم الأقرع بن حابس، والزِّبْرِقان بن بدر، وقيس بن عاصم وغيرهم، فأسلموا، وذلك سنة تسعٍ، وقيل: سنة عشر، والأول أصحُّ، وكان سيِّدًا في قومه، وهو الذي أهدى للنبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّمَ ثوبَ ديباجٍ كان كساه إيَّاه كسرى، فعجب منه الصحابة، فقال النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّمَ: «لَمَناديلُ سعدِ بنِ مُعاذٍ في الجنَّةِ خيرٌ مِنْ هذا» ، ثمَّ قال: «اذهبوا بهذِه إلى أبي جَهْمِ بنِ حُذيفةَ، وقل [3] له: ليبعثْ إليَّ بالخَميصَةِ» ، فاستفدنا [4] مِن هذا: أنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّمَ أهدى هذا الثوب لأبي جهم بن حُذيفة، واستهدى منه الخَميصة، وهي التي ردَّها وطلبَ الأَنْبجانيَّة، وأمَّا المقول فيها فهي حُلَّة أقامها بالسوق للبيع.
ففي «مسلم» : رأى عمر عطاردًا التميميَّ يقيم بالسوق حُلَّة سِيَراء، والحلَّة التي بعثها النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّمَ لعمر بن الخطَّاب كان أهداها له أُكَيْدِرُ دُوْمَة،
ص 34
قال في «أسد الغابة» في ترجمة أُكَيْدِر بن عبد الملك [5] : وذكر ابن منده وأبو نعيم: أنَّه أسلم وأهدى للنبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّمَ حلة سِيَراء، فوهبها لعمر بن الخطَّاب، قال ابن الأثير: إنَّما أهدى للنبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّمَ وصالحه ولم يسلم، وهذا لا اختلاف [6] فيه بين أهل السير، ومَن قال: أسلم، فقد أخطأ خطأ ظاهرًا.
وقوله: (لعمر) أيضا فيه نظرٌ، ففي «صحيح [7] مسلمٍ» : أنَّه إنَّما أهداه لعليٍّ، وسنذكره فيما بعد، ويحتمل أن تكون الهديَّة مشتملة على ثيابٍ كثيرةٍ، فأهدى [8] لكلٍّ منهما.
وقد وجدتُ في «صحيح مسلم» ما يدلُّ على ذلك، فإنَّه أخرج حديث ابن عُمَرَ السابق ولفظه [9] : رأى عمر عطاردًا التميميَّ يقيم بالسوق حُلَّة سِيَراء، وكان رجلًا يغشى الملوك ويصيب منهم، فقال عمر [10] : يا رسول الله؛ إنِّي رأيت عطاردًا يقيم في السوق [11] حُلَّة سِيَراء، فلو اشتريتها [12] فلبستها لوفود العرب [13] إذا قدموا عليك، فقال: «إنما يَلْبسُ الحريرَ في الدنيا مَنْ لا خَلاقَ لهُ في الآخِرَةِ» ، فلمَّا كان بعد ذلك أُتيَ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّمَ بحُلَل سِيَراء، فبعث إلى عمرَ بحُلَّةٍ، وبعث إلى أسامة بن زيدٍ بحُلَّة، وأعطى عليَّ بن أبي طالبٍ حُلَّة، وقال: «شَقِّقها خُمُرًا بين نسائِكَ» ، فجاء عمر بحلَّته [14] يحملها، فقال: بعثتَ إليَّ بهذه وقد قلتَ بالأمسِ في حُلَّة عطاردٍ ما قلتَ؟ فقال: «إنِّي لم أَبْعَثْ بها إليكَ لتلبَسها، ولكْن بعثتُ [15] بها إليكَ لتُصيبَ بها» .
فهذا ظاهرٌ في اتِّحاد الواقعة [16] . [خ¦886]
ص 35
[1] (بن الخطاب) : ليس في (أ) و (ق) .
[2] (بن) : ليس في (أ) .
[3] في (م) : (وقال) ، وفي (ق) مخرومة.
[4] في (ق) : (فاستفندنا) ، وهو تحريف.
[5] في (أ) : (عبد المطلب) .
[6] في (م) : (الاختلاف) .
[7] (صحيح) : ليس في (ق) .
[8] في (أ) : (وأهدى) .
[9] في (أ) : (لفظه) .
[10] (عمر) : ليس في (ق) .
[11] في (أ) : (بالسوق) .
[12] في (م) : (شريتها) .
[13] في (م) : (القوم) .
[14] في (م) : (بحلة) .
[15] في (م) : (بعث) .
[16] في هامش (أ) : (قوله في آخر هذا الحديث: «فكساها عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه أخًا له بمكَّة مشركًا» لم يذكره المؤلِّف هنا، وإنَّما ذكره في أوائل «كتاب الأدب» في «باب صلة الأخ المشرك» ) .