154 -عن أبي مسعود الأنصاريِّ قال: لمَّا نزلت آية الصدقة كُنَّا نُحامل، فجاء رجلٌ فتصدَّق بشيءٍ كثير فقالوا [1] : مرائي، وجاء رجلٌ فتصدق بصاع فقالوا: إنَّ الله لغنيٌّ عَن صاع هذا، فنزلت: {الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ} الآية [التوبة: 79] .
الرجل الذي تصدَّق بشيء كثير: هو عبد الرحمن بن عوف، تصدَّق بنصف ماله، وكان ماله ثمانية آلاف دينار [كانت درهم] ، ذكره ابن التين، وقيل [2] : أربعة آلاف درهم وأربع [3] مئة دينار.
وفي (أسباب النزول) للواحديِّ: أنَّه عليه السلام حثَّ على الصدقة، فجاء عبد الرحمن بن عوف بأربعة آلاف درهم شطر ماله يومئذٍ، وتصدَّق يومئذ عاصم بن عديِّ بن عجلان بمئة وَسْق مِن تمر [4] ، وجاء أبو عَقيل بصاعٍ مِن تمر [5] ، فلَمزهم المنافقون، فنزلت هذه الآية، وكذا ذكر ذلك [6] ابن الأثير، لكنه قال في مال عبد الرحمن بن عوف: أربعة آلاف درهم وأربع مائة درهم.
وفي «معاني القرآن» للفرَّاء: حَثَّ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّمَ على الصدقة، فجاء عمر بصدقة، وجاء عثمان بصدقةٍ عظيمة، وجاء أبو عَقيل [فذكره، وقد جاء في «البخاريِّ» تكنية صاحب الصاع بأبي عقيل] [7] ، وقال السهيليُّ: أبو عَقيل اسمه جَثجاث، كذا وجدته بخطِّ بعض الحفَّاظ مضبوطًا بالنقط بجيمين وثاءين مثلَّثتين.
وفي «أسد الغابة» : أبو عَقِيل صاحب الصَّاع الذي لمزه المنافقون مختلفٌ في اسمه، فقيل: حَبحَاب [8] ، قاله قتادة، لم يزد على ذلك، وذكره في الحاء المهملة
ص 50
فقال: حبحاب، وساق له ذلك، فليتأمَّل، وفي «صحيح مسلم» في قصَّة كعب بن مالكٍ، وقوله عليه السلام: «كُنْ أبا خيثمةَ» فإذا هو أبو خيثمة [9] الأنصاريَّ، وهو الذي تصدق بصاع التمر حين لمزه المنافقون.
[وعلى هذا الذي في «مسلم» [10] يفسَّر المبهم في رواية البخاريِّ، وجاء رجلٌ فتصدَّق بصاعٍ بأنَّه أبو خيثمة، وتكون قصَّة أبي عَقيل في الصدقة [بصاع] وبنصف صاع، كما رواه البخاريُّ ومسلم؛ لوجود الاختلاف في العدد بين المبهم والمفسَّر، وأما قول مَن قال: إنَّ أبا عَقيل تصدَّق بصاع، فالذي في «البخاريِّ» و «مسلم» أصحُّ مما في غيرهما] [11] .
ووقع في بعض الشروح تسمية أبي خيثمة هذا بعبد [12] الرحمن بن تيجان الأنصاريِّ [13] ، وهذا وهم، هذا اسمه عبد الله بن خيثمة، قال ابن الأثير في «أسد الغابة» : أبو خَيثَمةَ الأنصاريُّ السَّالميُّ، اسمه: عبد الله بن خَيثمة، [ثمَّ أخرج من طريق الزهري قوله صلَّى الله عليه وسلَّمَ: «كن أبا خيثمة» ] [14] .
وقال ابن الكلبيِّ: هو أبو خيثمة مالك بن قيس بن ثعلبة بن العجْلان [15] ، وهو الذي لحق النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّمَ بتبوك فقال: «كُن أبا خيثمة» ، [ثمَّ أخرج قوله صلَّى الله عليه وسلَّمَ: «كن أبا خيثمة» ] [16] ثمَّ قال: قال أبو نعيم: هو الذي لمزه المنافقون لمَّا تصدَّق بالصاع، وهذا في «مسلم» كما تقدَّم، وقال أبو عمر: لا أعلم في الصحابة مَن يكنى أبا خيثمة غيره إلَّا عبد الرحمن بن أبي سَبْرة الجعفيَّ والد خيثمة بن عبد الرحمن صاحب ابن مسعود، وذكره أيضًا في ترجمة عبد الرحمن بن أبي سَبْرة، اسم أبي سَبْرة: يزيد [17] ابن مالك الجعفيُّ، فكأنَّ هذا الشارح وهم من أبي خيثمة الجعفيِّ هذا، فسمَّى [18] ذلك الأنصاريَّ باسمه.
وكذا قال النووي في «شرح مسلم» : وأبو [19] خيثمة هذا اسمه عبد الله بن خيثمة، وقيل: مالك بن قيس، قال بعض الحفاظ: ليس في الصحابة مَن يكنى أبا خيثمة إلَّا اثنان، أحدهما هذا، والثاني: عبد الرحمن بن أبي سَبْرة الجعفيُّ، وقيل: الملموز [20] رِفاعة بن سهيل [21] ، [كذا في بعض الشروح [22] ، ولم أقف على ذلك في كتب مَن تكلَّم على الصحابة] [23] .
وفي «معجم الطبرانيِّ الأوسط» مِن طريق موسى بن هارون قال: حدَّثنا عمرو بن زُرَارَة [24] قال: حدثنا عيسى بن يونس قال: حدثنا سعيد بن عثمان البَلَويُّ عَن جدَّته بنت عديٍّ: أنَّ أمَّها عميرة بنت سهل صاحب الصاع الذي لمزه المنافقون، أنَّه خرج بزكاته [25] بصاعٍ مِن تمر [26] وبابنته [27] عميرة حتَّى أتى النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّمَ فصبَّ ثمَّ قال: يا رسول الله؛ إنَّ لي إليك حاجة، قال: «ما هي؟» قال: تدعو الله [28] لي ولها بالبركة، وتمسح رأسها، فإنَّه ليس لي ولد غيرها، قال [29] : فوضع رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّمَ يده عليَّ [30] ، فأقسم لكأنَّ بردَ يده صلَّى الله عليه وسلَّمَ على كبدي، ثمَّ قال: لا يُروى هذا الحديث عَن عميرة بنت
ص 51
[سهل إلَّا بهذا الإسناد، تفرَّد به عيسى بن يونس، وفي «أسد الغابة» لابن الأثير: عُمَيرةُ بنت سَهل بن رافع صاحب الصاعين الذي لمزه المنافقون، روت قصَّة أبيها في الصدقة بالصاعين، وساق الحديث [31] السابق.
وذكره أيضًا في سَهل بن رافع بن أبي عَمرو بن عَائذ بن ثَعلبة بن غَنم البَلَويُّ قال: وهو الذي لمزه المنافقون، روت عنه ابنته عُميرة، وساق ما سبق.
وقيل: هو سهل بن رافع بن خَدِيج، أخرجه أبو عمر بن عبد البر. [خ¦1415]
ص 52
[1] في (أ) : (فقال) ، وكذا في الموضع اللاحق، والمثبت هو الصواب.
[2] في (م) : (وسيأتي في التفسير) .
[3] في (م) : (أو أربع) .
[4] في (ق) : (ثمر) .
[5] في (أ) و (ق) : (ثمر) .
[6] (ذلك) : ليس في (أ) .
[7] ما بين معقوفين ليس في (أ) .
[8] في (أ) : (جثجاث) .
[9] (فإذا هو أبو خيثمة) : ليس في (أ) .
[10] (في مسلم) : مثبت من (ق) .
[11] ما بين معقوفين سقط من (م) .
[12] في (م) : (عبد) .
[13] (بن تيجان الأنصاري) : ليس في (م) .
[14] ما بين معقوفين مثبت من (ت) ، وجاء في (ق) بعد قوله: (بتبوك فقال: «كُن أبا خيثمة) .
[15] في (م) : (العجلاني) .
[16] ما بين معقوفين سقط من (م) .
[17] في (م) : (زيد) .
[18] في (م) : (فسماه) .
[19] في (أ) : (فأبو) .
[20] في (م) : (المسلمون) .
[21] في (م) : (سهل) ، وفي (ق) مخرومة.
[22] في (أ) : (شروح) ، ولعلَّ المثبت هو الصواب.
[23] ما بين معقوفين سقط من (م) .
[24] في (ق) : (زارة) ، وهو تحريف.
[25] في (م) : (زكاته) .
[26] في (ق) : (ثمر) .
[27] في (م) : (وما بنته) ، وهو تحريف.
[28] اسم الجلالة مثبت من (ق) .
[29] في (م) : (قالت) ، وفي (ق) مخرومة.
[30] (علَيَّ) : ليس في (أ) .
[31] زيد في (أ) : (الحديث) ، وهو تكرار.