الصفحة 35 من 106

الله سميع عليم، فانه لا يحتاج إلى تأكيده لبيانه وظهوره، ولكن أكدا بالضميرين ليعطيا الكلام حقه [1] .

وأما توكيد الضمير المتصل بالضمير المتصل: في قوله تعالى: (ألم أقل لك إنك لن تستطيع معي صبرًا) [2] [3] .

نجد في هذا النص، أن العبد الصالح الخضر قتل غلامًا، فقال نبي الله موسى أقتلت نفسًا بغير نفس وأنكر عليه هذا الفعل. فنلحظ أن العبد الصالح قد أكد الضمير المتصل بالضمير المتصل في قوله (لك إنك) كما تقول لمن توبخه: لك أقول، وإياك أعني [4] . فجاء هذا التوكيد للزيادة في مكافحة العتاب، والوسم بعدم الصبر [5] .

ومن توكيد الضمير المنفصل بالضمير المنفصل في الحديث الشريف، مما جاء عن ضرب جابر بن عبد الله (رضي الله عنه) باب النبي الكريم فأجاب حين سئل من الطارق بقوله: (أنا) ، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم:"أنا أنا كأنه كرهها" [6] .

لقد كره النبي الكريم في هذا الحديث، فعل جابر إذ لم يذكر اسمه بعدما ضرب الباب وأجاب بـ (أنا) لأن لفظة (أنا) لا تفيد السائل مقصده [7] . فنلحظ من خلال هذا التوكيد انفعاله السلبي - صلى الله عليه وسلم - تجاه هذا الفعل. فتكرار هذا الضمير يتصف بشحنات انفعالية خاصة قد تظهر في تغير الصوت أو في حدة في الحديث، فالأمر إذًا ليس مجرد معرفة العبارة وتحليل

عناصرها، وإنما هو الوقوف أولًا وقبل كل شيء على تقدير قيمتها الانفعالية [8] . فلكل كلمة مع صاحبتها مقام [9] . يتمثل باختيار الألفاظ والمعاني وتلاؤمها معًا في السياق، بحيث تنسجم هذه

(1) الفوائد المشوق إلى علوم القران وعلم البيان، ابن القيم الجوزية:206.

(2) سورة الكهف؛ الآية: 75.

(3) صحيح البخاري: 1/ 36.

(4) أسرار التكرار في القرآن، محمود بن حمزة الكرماني، عبد القادر عطا: 134.

(5) المثل السائر: 20/ 204.

(6) صحيح البخاري: 4/ 89.

(7) إرشاد الساري: 9/ 144.

(8) علم النفس اللغوي، د. نوال محمد عطية: 37.

(9) الإيضاح في علوم البلاغة: 1/ 80.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت