والمدثر في معرض التوجيه. إذ قال الله تعالى في القرآن الكريم:(يا أيها المزمل.
قم الليل إلا قليلًا) [1] . وقال أيضا: (يا أيها المدثر. قم فأنذر) [2] .
أما في الحديث الثاني، فقد عرضت الجنة والنار على النبي الكريم مصورتين وهو يصلي في مصلاه [3] . فصعد المنبر وقال: رأيت الآن الجنة والنار ممثلتين في ذاك الجدار وأشار إلى قبلة المسجد وتعد هذه من معجزاته، ثم كرر جملة (فلم أر كاليوم في الخير والشر) [4] . وعند التأمل في هذا التكرار نرى أن النبي الكريم، اتبع أسلوب الترغيب والترهيب، فرغب بالجنة فلم ير في الخير مثل هذا اليوم، لرؤيته الجنة، ورهب بالنار فلم ير في الشر مثل هذا اليوم لرؤيته النار، فجاء هذا التكرار المتآزر مع أسلوب الترغيب والترهيب لتثبيت المعنى في نفس المخاطب. ومن هنا يتحول الخطاب من سياقه الإخباري إلى وظيفته التأثيرية [5] .
خاطب النبي الكريم الناس، في الحديث الثالث، وهو على المنبر فطلب منهم أن
يسألوه، لأنه المصدر الثاني بعد كتاب الله في شريعته وفصاحته وبلاغته، فكرر جملة (سلوني) إذ أراد من هذا التكرار لفت انتباه المخاطبين وتمكين المعنى في أذهانهم، فتحققت الاستجابة من قبلهم، والشاهد. عندما قام إليه رجل فقال أين مدخلي يا رسول الله قال:
النار، وقام عبد الله بن حذافة فقال: من أبي يا رسول الله قال: أبوك حذافة [6] . فقال تعالى في القرآن الكريم: (وما ينطق عن الهوى. إن هو إلا وحي يوحى) [7] .
خرج التوكيد اللفظي بالجملة الفعلية في الصحيح إلى التسلية والتأنيس
والملاطفة، ومن ذلك:
قوله - صلى الله عليه وسلم - لعلي بن أبي طالب (رضي الله عنه) عندما رآه مضطجعًا في المسجد، وقد سقط رداؤه عن شقه وأصابه تراب:"قم أبا تراب قم أبا تراب" [8] .
(1) سورة المزمل؛ الآيتان: 1 ـ 2.
(2) سورة المدثر؛ الآيتان: 1 ـ 2.
(3) الكرماني بشرح صحيح البخاري: 5/ 116 ـ 117.
(4) صحيح البخاري: 4/ 124.
(5) الأسلوبية والأسلوب، د. عبد السلام المسدي: 36.
(6) صحيح البخاري: 4/ 259.
(7) سورة النجم؛ الآيتان: 3 ـ 4.
(8) صحيح البخاري: 1/ 88.