وعن عبد الله بن أبي مليكة:"أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أهديت له أقبية من ديباجٍ مزررة بالذهب فقسمها في ناسٍ من أصحابه وعزل منها واحدًا بمخرمة بن نوفل فجاء ومعه ابنه المسور ابن مخرمة فقام على الباب فقال أدعه لي فسمع النبي - صلى الله عليه وسلم - صوته فأخذ قباءً فتلقاه به وأستقبله بأزراره فقال: يا أبا المسور خبأت هذا لك يا أبا المسور خبأت هذا لك وكان في خلقه"
شدة" [1] ."
لقد نادى النبي الكريم، في الحديث الأول، علي بن أبي طالب (رضي الله عنه) بكنيته الجديدة (أبا تراب) التي أخذت من حالته مداعبة له [2] . إذ كانت كنيته (أبا الحسن) ، فأخذ النبي الكريم يمسح التراب عن ردائه (رضي الله عنه) تسلية ومؤانسة ويقول (قم أبا تراب) مرتين إذ علم بأنه خرج من بيته مغاضبًا زوجته السيدة فاطمة (رضي الله عنها) .
"ولاشك أن الإيقاع في الحديث قد كشف عن مشاعر الرسول الكريم مع محدثه علي بن أبي طالب (رضي الله عنه) وما يترشح عنها من حب وملاطفة وتأنيس، فضلًا عما حققه من جمال وحسن وقع، تطرب له النفس من جراء تكرار الجملة، الذي زاد في التأنيس والملاطفة" [3] .
وخاطب النبي الكريم، في الحديث الثاني، مخرمة بن نوفل، مكررًا جملة (يا أبا المسور خبأت هذا لك) وقد خبأ له ثوبًا من ديباج مزرر بالذهب، فناداه بأبي المسور لما في ذلك من مؤانسة وملاطفة للمخاطب بذكر ولده الذي جاء معه، ولأن كنيته في الأصل أبو صفوان، فضلًا عن أنه موصوف بالشدة وبذاءة اللسان [4] . فكرر النبي الكريم النداء ثلاث مراتٍ إمعانًا منه في تطييب نفس المخاطب والتلطف معه، وهو أبلغ البلغاء يراعي المقام ونفسية المخاطب في كلامه، فيخاطب كل إنسان بما يناسبه، فيستميله ويبلغ منه القصد [5] .
ومن الأغراض التي خرج إليها التوكيد اللفظي بالجملة الفعلية في صحيح البخاري، تحريك الهمم ومن ذلك:
إن النبي الكريم ارتجز بشعر عبد الله بن رواحة عندما كان ينقل التراب من الخندق وهو يقول:
(1) صحيح البخاري: 2/ 193.
(2) فتح الباري: 13/ 209؛ ينظر: عمدة القاري: 22/ 214.
(3) أساليب الطلب في الحديث الشريف: 152.
(4) فتح الباري: 13/ 145.
(5) أساليب الطلب في الحديث الشريف: 166.