الخيال" [1] . كما استطاع أن يوجه النظر إلى جهنم عندما يتجلى الله ويضع قدمه فيها، والقدم هنا ليست كقدمٍ البشر، فهو (ليس كمثله شيء وهو السميع البصير) [2] ."
فتذل جهنم وتقول (قط قط) فهذا التصوير يبعث في النفس الرهبة والهلع من جهنم، والتوكيد اللفظي يكشف عن طاقة الكلمة في إحداث الفاعلية المناسبة.
فلهذا الشكل من التوكيد اللفظي نماذج كثيرة في الصحيح، إذ حرص القائل على توكيد الكلمة وإعادتها في النص، وكان يبغي من ورائها الوصول إلى مبتغاه إذ يأتي هذا الشكل ترغيبًا أو ترهيبًا أو يأتي لتقوية المعنى في ذهن السامع، ومن ذلك.
قوله تعالى على لسان نبي الله سليمان (عليه السلام) : (وهب لي ملكًا لا ينبغي لأحد من بعدي إنك أنت الوهاب) [3] [4] .
وقول النبي - صلى الله عليه وسلم: ليرد علي أقوام أعرفهم ويعرفوني ثم يحال بيني وبينهم فأقول: إنهم مني، فيقال، إنك لا تدري ما بدلوا بعدك، فأقول:"سحقًا سحقًا لمن بدل بعدي" [5] .
ففي النص الأول، نجد نبي الله سليمان (عليه السلام) يسأل الله تعالى ملكًا لا يكون لأحد من بعده من البشر مثله [6] . ثم جاء بالضمير المتصل مع المنفصل في قوله (إنك أنت الوهاب) ليؤكد المعنى بأن الله هو الوهاب. فإن المعنى هنا معلوم قد ثبت في النفس ورسخ فيها بأن الله هو الوهاب، وإن لم يؤكد فإنه لا يحتاج إلى تأكيده لبيانه وظهوره، ولكن أكد الضمير المتصل بالمنفصل ليعطي الكلام حقه [7] . وهناك فوائد من خلال توكيد الضمير المتصل بالضمير المنفصل في قوله (إنك أنت الوهاب) : الأولى: (إن) المشددة التي تفيد الإثبات لما يأتي بعدها. والثانية: تكرير الضمير في قوله (إنك أنت) إذ يدل على توكيد المتعلق بهما [8] . وهو (الوهاب) . والثالثة: دلت صيغة المبالغة في (الوهاب) على أنه تعالى يهب الكثير والعظيم
(1) المنهج الأسلوبي في دراسة النص الأدبي، د. خليل عودة، مجلة النجاح للأبحاث، المجلد الثاني، العدد الثامن، 1994، ص: 102.
(2) سورة الشورى؛ الآية: 11.
(3) سورة ص؛ الآية: 35.
(4) صحيح البخاري: 3/ 181.
(5) المصدر نفسه: 4/ 221.
(6) تفسير القرآن العظيم، إسماعيل بن كثير: 5/ 136.
(7) الفوائد المشوق إلى علوم القرآن وعلم البيان، ابن قيم الجوزية: 206.
(8) البلاغة القرآنية في تفسير الزمخشري وأثرها في الدراسات البلاغية: 550.