تعليمًا وتوجيهًا لأصحابه، من كان منكم مادحًا أخاه لا محالة فليقل أحسب فلانًا
على الله [1] .
ومن استخدامه الكناية في سياق التوكيد اللفظي قوله لجابر بن عبد الله(رضي الله
عنه)عندما تزوج بامرأة ثيب:"فالكيس الكيس" [2] .
وقوله - صلى الله عليه وسلم:"بعثت أنا والساعة كهذه من هذه أو كهاتين وقرن بين السبابة والوسطى [3] ."
لقد استخدم النبي الكريم، في الحديث الأول، الكناية."والمراد بالكناية ههنا أن يريد المتكلم إثبات معنى من المعاني فلا يذكره باللفظ الموضوع له في اللغة ولكن يجيء إلى معنى هو تاليه وردفه في الوجود فيوميء به إليه ويجعله دليلًا عليه" [4] . فنجد النبي الكريم يغري جابر بن عبد الله (رضي الله عنه) بالعقل، فجعل العقل كناية في طلب فسر بلاغة هذا التوكيد يرجع إلى الكناية التي حققت إيحاءً فنيًا ينسجم مع السياق الذي تشكلت فيه، والتي لا نلمحها في التعبير الصريح، وذلك لأن الكناية وسيلة حيوية في التعبير، لكونها من الأساليب الإيحائية، فهي تدل على المعنى في صورة غير مباشرة، وإنما يعمل الذهن فيها والخيال في الوقوف على المعنى [5] .
لقد استخدم النبي الكريم، في الحديث الثاني، الكناية [6] من خلال توكيد الضمير المتصل بالضمير المنفصل والمتعلق بهما في قوله (بعثت أنا والساعة كهذه من هذه) إذ يوحي هذا الكلام بشدة اقتراب الساعة ونهاية هذا العالم، فيدل على أنه - صلى الله عليه وسلم - خاتم الأنبياء والمرسلين وأن لا نبي بعده."ومن هنا، فإن التعبير الكناني لا يخرج في دلالته عن دلالات السياق العام، التي تتعانق في إطار البناء الفني للنص الإبداعي، فالتعبير الكناني لمحات إيحائية خاطفة تخرج عن المدلول اللغوي الموضوع لتعطي معنى جديدًا يضفي على النص بعدًا جماليًا" [7] . فنجد الكناية تنقل المعنى وافيًا في لفظ قليل
(1) صحيح البخاري: 2/ 106.
(2) المصدر نفسه: 2/ 11.
(3) المصدر نفسه: 3/ 278.
(4) دلائل الإعجاز: 105.
(5) الكناية في القرآن الكريم، أحمد فتحي رمضان، رسالة دكتوراه، بإشراف د. مناهل فخر الدين، جامعة الموصل، كلية الآداب، 1995، ص: 74.
(6) الكناية"ترك التصريح بذكر الشيء إلى ذكر ما يلزمه لينتقل من المذكور إلى المتروك"، ينظر، البلاغة تطور وتاريخ، د. شوقي ضيف: 310.
(7) ظواهر أسلوبية في كتاب جوهر الكنز لابن الأثير الحلبي: 186 ـ 187.