موجز [1] . فهي أبلغ من الإفصاح إذ تزيد المعنى إثباتًا، فتجعله أبلغ وآكد وأشد، ذلك لأن إثبات الصفة بإثبات دليلها، وإيجابها بما هو شاهد في وجودها آكد وأبلغ في الدعوى" [2] . فنلحظ من خلال الكناية المتآزرة مع توكيد الضمائر. أنها تزيد وترفع من قيمة المعنى البعيد الذي تشير إليه في نظر المتلقي وتعمل على توكيده في نفسه والاعتزاز به وتفخيمه [3] ."
وأما التغليب فهو باب من أبواب البلاغة التي وردت مع التوكيد اللفظي في الحديث الشريف. في قوله - صلى الله عليه وسلم:"بين كل أذانين صلاة بين كل أذانين صلاة، ثم قال في الثالثة لمن شاء" [4] .
استعمل النبي الكريم، في هذا الحديث، التغليب ضمن أسلوب التوكيد اللفظي في لفظه (أذانين) . فالتغليب"ترجيح أحد المغلوبين على الآخر أو إطلاق لفظه عليها إجراء للمختلفين مجرى المتفقين" [5] . فالمراد بـ (الأذانين) أذان وإقامة [6] . ولأن الإقامة لا تختلف عن الأذان إلا في بعض ألفاظها، أطلق عليها النبي الكريم الأذان تغليبًا. فمن تعاضد التغليب مع التوكيد اللفظي، تولد عند المخاطبين التأثير والتحفز إلى متابعة النص لإدراك بعده الدلالي. والمعنى تأكيد استحباب الصلاة بين الأذان والإقامة [7] .
ومن الفنون البلاغية:
قوله - صلى الله عليه وسلم:"... . فيضرب الصراط بين ظهراني جهنم فأكون أول من يجوز من الرسل بأمته ولا يتكلم يومئذ أحد إلا الرسل، وكلام الرسل يومئذ اللهم سلم سلم ... ." [8] .
لقد صور النبي الكريم، في هذا الحديث، يوم القيامة وما فيه من أهوال عظيمة، ويقرب النبي الكريم هذه الصورة إلى نفوس المتلقين، فيوجه أنظارهم إلى كلام الرسل وهم يقولون (اللهم سلم سلم) فسر بلاغة هذا التعبير، الترهيب من يوم القيامة، وبيان رغبة الرسل في السلامة من أهوالها. بأقل لفظ وأشد العبارات إيجازا واختصارًا.
(1) من بلاغة القرآن: 226.
(2) التراكيب النحوية من الوجهة البلاغية عند عبد القاهر: 195.
(3) الأسس النفسية لأساليب البلاغة العربية: 230.
(4) صحيح البخاري: 1/ 117.
(5) معجم المصطلحات البلاغية وتطورها، د. أحمد مطلوب: 2/ 305.
(6) رياض الصالحين: 431.
(7) فتح الباري: 2/ 247.
(8) صحيح البخاري: 1/ 146.