إن أول شيء يستشفه الدارس لمسيرة هؤلاء العلماء الأطهار الأبرار هي أن نفوسهم كانت خالصة لله وحده، وكانت في منتهى التقوى والإخبات والإنابة له تعالى وحده، وكانت قلوبهم مملوءة بحب الله وتعظيمه والخضوع له ومراقبته والخشية منه تعالى وحده، وكانت حياتهم مملوءة بالحرص على العبادة، وتمتين الصلة بالله، وكان سلوكهم قائما على الأخذ بالحلال والابتعاد عن الحرام والشبهات في كل ما يتعلق بذواتهم وأسرهم، وكانت أخلاقهم مبنية على التضحية والعطاء والالتزام بكل ورد في القرآن الكريم والسنة المشرفة، لذلك كان إمامهم الرسول - صلى الله عليه وسلم - وأسوتهم وقدوتهم في كل تفصيلات حياتهم وجزئياتها، إن هذا البناء النفسي العظيم الذي قامت عليه شخصياتهم والذي تعبوا في السهر عليه وفي إقامته جعلهم ربانيين، بمعنى أن الحق هو مدار حياتهم وهو الذي يصدعون به مهما كان الثمن الذي يدفعونه فنجد أن عمر بن عبد العزيز صدع بهذا الحق في وجه الوليد بن عبد الملك عندما أراد أن يغير ولاية العهد من سليمان بن عبد الملك إلى ابنه، ورفض موافقته على تصرفه مما أدى إلى عزله عن ولاية المدينة وتخفيه في السويداء، ثم صدع بالحق ثانية عندما تولى الخلافة وأعاد الأموال المأخوذة بغير حق إلى بيت مال المسلمين ولم يأبه لغضب رجالات بني أمية، ليس هذا فحسب بل سار سيرة غاية في العدل في كل شؤون الخلافة، مع الولاة ومع الرعية ومع أهل الذمة، ومع أهل بيته ومع أولاده وأعاد الشورى إلى سابق عهدها، وهو بهذه السيرة أعاد ما اندرس من معالم الخلافة الإسلامية وجعله يأخذ بحق لقب (الخليفة الراشد الخامس) ، ويأخذ وصف مجدد القرن الأول الهجري.
وكذلك نجد الشافعي يصدع بالحق ويعلن مأخذه على مالك وتلاميذه في عدم أخذهم بأحاديث الآحاد، يعلن ذلك في كتاب (الأم) في فصل يسمى (اختلاف مالك) ، يصدع بالحق مع أنه تلميذ لمالك يقر بفضله عليه، ومع أن مذهب مالك كان راسخا في المغرب والقول في مالك له عواقبه الكثيرة، لكن الصدع بالحق أولى مهما كانت النتائج والمآلات، وهذا ما يفعله الربانيون، الذين عرفوا الحق وتشربته نفوسهم العظيمة.
أما أحمد بن حنبل فالربانية تتجلى في كل مراحل حياته ففي شبابه اتجه إلى جمع حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، واتجه في الوقت نفسه إلى تطبيق سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم في كل جزئيات حياته وكان لا يترك سنة إلا واجتهد في تطبيقها، وفي كهواته برزت فتنة القول بخلق القرآن على يد الوزير وهدد المأمون كل من لا يقول بخلق القرآن، وطلب من وزيره أن يحضره إليه مكبلا إلى ثغره الذي يقاتل فيه، وتراجع من تراجع من العلماء عن قول كلمة الحق، ولكن أحمد بن حنبل صدع بكلمة الحق وتعرض نتيجة لذلك للعذاب والتنكيل والسجن والإيذاء،