ومع ذلك ثبت على القول بأن القرآن كلام الله ليس بمخلوق لأنه هذا الحق الذي يؤمن به ولأنه رباني يخشى عذاب الله ولا يخشى عذاب المخلوقين، ويتطلع إلى رضوان الله ولا يتطلع إلى رضا البشر الفانين، وفي شيخوخته أقبلت عليه الدنيا وذاع صيته وسعى إليه الخليفة والولاة، وأغدقوا عليه الأموال، وفتحوا له أبواب كل شيء، وربما كان هذا امتحانا لربانيته أقسى من الامتحان السابق، لكنه صمد للإغراء ولم يرض أن يأخذ شيئا مما عرض عليه، وقاطع ابنه لأنه رضي أن يأخذ أموالا من الخليفة، فالخلافة بعد أن يئست من الأب حاولت مع الإبن، لكن الأب عاقب الإبن بأن امتنع عن الأكل من عنده، فأحمد بن حنبل كان ربانيا في شيخوخته، كما كان ربانيا في كهولته وشبابه.
أما ابن تيمية فالمواقف التي تشهد على ربانيته وصدعه بالحق أكثر من أن تحصى، فقد أصر على القول بعدم تأويل صفات الله وأن هذا هو قول الله سبحانه وتعالى، وقول الرسول صلى الله عليه وسلم وقول السلف الصالح، وتحدى خصومه وأعطاهم فرصة طويلة من الزمن كي يأتوا بما هو مخالف لما يقوله ويعلنه، ثم دخل السجن نتيجة لصدعه بالحق وعرضوا عليه أن يخرج من السجن شريطة تراجعه عن بعض ما يعتقده فرفض ذلك، كذلك صدع بالحق فيما يتعلق بحكم الحلف بالطلاق وأنه لا يوقع الطلاق ورجاه أصدقاؤه ألا يفتي بذلك ولكنه أبي مهما كان الثمن الذي يدفعه لأنه رأى عدم الإفتاء كتمانا للعلم، وكان الثمن السجن الذي كات فيه ليخرج من هناك إلى قبره، وهناك مجالات أخرى صدع ابن تيمية فيها بالحق وكان الثمن مواجهة وسجالا وكتابة ومنها: صدعه بالحق في مواجهة التتار، والصوفية، والباطنية، وأصحاب المنطق والفلسفة الخ. . . . . .
2 -أنهم كانوا محيطين بالعلوم الإسلامية ومتبحرين في بعضها:
إن الصفة الثانية التي نلمسها في علماء الطائفة الظاهرة السابقين هي إحاطتهم بالعلوم الإسلامية، كعلوم القرآن وعلوم الحديث وعلوم اللغة العربية والفقه والسيرة.
فقد ذكرت كتب السير أن عمر بن عبد العزيز طلب العلم في المدينة المنورة شابا يافعا فبرع فيه ونبغ. فحفظ القرآن ودرس الحديث وحفظه ورواه. فقد حدث عن بعض الصحابة رضي الله عنهم أجمعين وعن عدد من أعلام التابعين: فحدث عن عبد الله بن جعفر وعن أنس بن مالك وأبي بكر بن عبد الرحمن وعبيد الله بن عبد الله بن عتبه بن مسعود، ولم يكن بمنزلة ابن عتبه هذا في نفس عمر غير القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق (رضي الله عنه) . وقد ترك ابن عتية أثرا بالغا في نفس عمر طيلة حياته. وروى الحديث عن كثيرين غير هؤلاء من