الصفحة 82 من 94

جعله يوجه العلماء المخلصين إلى تدوين الحديث الشريف وتدوين الإرث الثقافي الذي أصبح فيما بعد إرثا ثقافيا خاصا بأهل السنة.

أدرك الشافعي الواقع المحيط به، فعرف اضطراب الساحة الفقهية وانقسامها بين فقه رأي وفقه حديث، وبين فقه عراقي وفقه حجازي، كما أنه عرف الفرق الضالة المنحرفة التي بدأت تطل بقرنها من فرقة تقول بالقدر وفرقة تقول بتعطيل الصفات وعلم الكلام، ويذكر المؤرخون لسيرته أنه اطلع على علم الكلام وتبحر فيه من أجل مواجهة تلك الفرق وتنقل أيضا أنه ناقش بعض رؤوس تلك الفرق ومن أبرزهم حفص الفرد وبشر المريسي.

لذلك جاءت فتاويه قاسية بحقهم لأنه عرف مدى الضلال الذي وقعوا فيه فقد جاء في إحداها حيث قال:"حكمي في أصحاب الكلام أن يضربوا بالجريد ويطاف بهم في القبائل والعشائر ويقال هذا جزاء من ترك الكتاب والسنة وأخذ في الكلام".

إن هذه الرواية الدقيقة للواقع هي التي جعلته يعطي آراء سديدة سليمة في مجالات متعددة.

كذلك كان اطلاع أحمد بن حنبل رحمه الله على واقعه اطلاعا وافيا وتفصيليا، عرف التصوف وبداياته، وعرف علم الكلام وأقواله، وعرف الشيعة، وعرف الزندقة لذلك كان موقفه من الأشخاص والفرق حسب قربهم وبعدهم من الحق الذي آمن به، لذلك خاصم الحارث المحاسبي، ورد على الزنادقة والجهمية، وكتب كتاب"الزهد"، وجمع"المسند"وفعل ذلك علاجا لواقع كان مطلعا عليه اطلاعا تفصيليا.

أما ابن تيمية فقد كان عارفا معرفة تفصيلية بالواقع المحيط به فقد كان يعرف المتصوفة والباطنية ورجالاتهم، والفلسفة والفلاسفة واختلافاتهم، كما كان مطلعا على أوضاع التتار كما كان عارفا بالفرق الإسلامية، وربما كانت هذه المعرفة التفصيلية إحدى ميزاته التي جعلته يترك آثارا أكثر من غيره في مسار الأمة.

والآن: اتضح معنا من خلال الصفحات الماضية أن الإسلام أوجب على المسلم أن ينتمي إلى جماعة مسلمة وفرض عليه ذلك وأبرزت الآيات الكريمة والأحاديث الشريفة ذلك، وقد ابتدأ الرسول صلى الله عليه وسلم، بناء هذه الجماعة في مكة ثم استكمله في المدينة، وأصبحت

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت