فكتب إليه الأمير نصر إنه لم يحضرني سوى ما هو مودعٌ عندك، وكان ستة آلاف دينار، فاصرفها في بعض مصالحها واعذر.
وذكر أن نصرًا كان برًا بوالده سديد الملك. ولوالده فيه:
جزى الله نصرًا خَيْرَ ما جُزِيَتْ به ... رِجالٌ قَضَوْا فَرْضَ العَلاء ونَفَّلوا
هو الولَدُ البَرُّ العَطوفُ فإِن رمى ... به حادثٌ فَهْو الحِمامُ المُعَجّلُ
يُفَدِّيك يا نَصْرٌ رِجالٌ مَحَلُّهُمْ ... من المجد والإِحسان أَنْ يَتَقَوَّلُوا
سأُثْني بما أَوْلَيْتَ بالْمَوْقِف الذي ... تَقِرُّ به الأَقدامُ أَوْ تَتَزَلْزَل
وأَلقاكَ يومَ الحَشْرِ أَبيضَ ناصِعًا ... وأَشكرُ عند اللهِ ما كنتَ تَفْعَل
مرهف بن اسامة بن منقذ ذو المجد الأثير، والفخر الأثيل، والبيت الأصيل.
أنشدني بدمشق سنة إحدى وسبعين لنفسه:
سَمَحْتُ بُروحي في رِضاكَ ولم تكُنْ ... لتُعْجِزَني لولا رضاك المَذاهِبُ
وهانَتْ لِجَرّاكَ العظائمُ كلُّها ... عَلَيَّ، وقد جَلَّتْ لَدَيَّ النّوائب
فكان ثَوابي عن وَلائي تَجَهُّمٌ ... رَمَتْني به منك الظُّنُونُ الكَواذِبِ
فَمَهْلًا فلي في الأَرض عن منزل القِلا ... مَسارٍ إذا أَخْرَجْتَني ومَسارِبُ
وإِن كنتَ ترجو طاعتي بإِهانتي ... وقَسْري فإنَّ الرَّأْي عنك لَعازِب
وأنشدني أيضًا لنفسه وهو حاضر عند والده، وذكر أنه مما كتبه إلى والده:
رَحَلْتُم وقلبي بالوَلاء مُشَرِّقٌ ... لديْكُمْ وجسمي لِلْفَناء مُغَرِّبُ
فهذا سعيدٌ بالدُّنُوِّ مُنَعَّمٌ ... وهذا شَقِيٌّ بالبِعاد مُعَذَّب
وما أَدَّعي شَوْقًا فَسُحْبُ مَدامعي ... تُتَرِجمُ عن شوقي إِليكم وتُعْرِب
ووالله ما اخْتَرُت التَّأَخُّر عنكم ... ولكن قضاءُ اللهِ ما مِنه مَهْرَب
الأديب أبو عبد الله محمد بن يوسف بن منيرة
الكفرطابي
ذكر أنه كان قرأ على الطليطلي، لقيت من قرأ عليه وهو أبو الثناء محمود ابن نعمة بن أرسلان الشيزري بدمشق.
واستنشدته من شعر أستاذه، فأنشدني له بيتين لم تخل كلمةٌ منهما من زاي وهما: قال أنشدنيهما لنفسه:
تجاوزْتُ أجواز المَفاوِز جازيًا ... بأَزرق عَزَّته نزوع النواهزِ
وزَجَّيْتُ بُزْلًا كالجَوازي مُجَهّزًا ... وأَزْجَيتُ عَزْم الهِبْزِرِيّ المُناجِز
وأنشدني أيضًا قال أنشدني أستاذي ابن منيرة لنفسه في السيف:
ومُهَنَّدٍ تقْفو المَنُونُ سَبيلَه ... أَبدًا فكيف يُقال رَيْبٌ مَنونِ
شَرِكَ المنايا في النّفوس فَرُحْنَ عَنْ ... غَبْنٍ وراحَ ولَيْسَ بالمَغْبُونِ
لو أَن سيفًا ناطقًا لتحدَّثَتْ ... شَفراته بسرائرٍ وشُجون
فكأنّما القَدَرُ المُتاح مُجَسَّمٌ ... في حَدِّه أَو عزم عزّ الدين
لقيته بدمشق سنة ثلاثٍ وستين وخمسمائة، وأنشدني من أشعاره، وأجناني من ثماره، ونزهني في أزهاره، وكتب القصيدة الميمية بخطه، وأبرز لي من سفط تبريزه در سمطه، ووعدني أن يكتب لي من شعره ما أوشح به كتابي هذا وأطرزه، وأحرزه في كنز الفضائل وأكنزه، فعاقه القدر عن نجاز وعده، وطرق الكدر، بطرق ثمد صفو ورده، وتوفي بعد سنة خمسٍ وستين وخمسمائة بدمشق.
ومن مشهور شعره بيتٌ جمع فيه ست تشبيهات ولم يسبق إليه، فإن أكثر ما جمع خمس تشبيهات بيت القائل:
فأَمْطَرَتْ لُؤْلؤًا مِنْ نَرْجِسٍ وسَقتْ ... ورْدًا وعَضَّتْ على العُنّاب بالبَرَدِ
وبيت محمودٍ الشيزري:
تَنْضُو السَّحائبَ عَنْ بدرٍ وأَنْجمِه ... وتمسَحُ الطَّلَّ عَنْ وَرْدٍ بِعُنّابِ
فشبه النقاب بالسحاب، والوجه بالبدر، والحلي والشنوف بالنجوم، والعرق بالطل، والخد بالورد، والأنامل المخضبة بالعناب.