نزيل بغداد وداره حذا باب النوبي. أحد الباعة والتجار المعروفين المتميزين ببغداد. كان شيخًا ظريفًا مُتودِّدا، سديدًا مُسدَّدا، متطرِّفًا من العلوم، حافظًا لكثيرٍ من المنثور والمنظوم، كنت أحاوره ويستنشدني شعري، ويُنشدني ما كان قد استحسنه من الأشعار، وما كنت أظن أن له شعرا، وما أجرى معي لنظمه ذِكرا، حتى طالعتُ تاريخ السمعاني فوجدته يقول فيه: أنشدني يحيى بن نزار التاجر لنفسه:
لو صَدَّ عني دلالًا أو مُعاتبةً ... لكنتُ أرجو تلافيه وأعتذِرُ
لكن مَلالًا، فلا أرجو تعَطُّفَهُ ... جَبْرُ الزُّجاجِ عزيزٌ حينَ ينكسرُ
قال وأنشدني لنفسه:
واغْيَدَ غَضٍّ زاد خَطُّ عِذارِهِ ... لعاشقه في همّه والبلابِلِ
تموج بحارُ الحُسنِ في وجَناتِه ... فَتَقْذِف منها عَنْبَرًا في السواحل
وتُجري بخَدَّيْهِ الشَّبيبةُ ماءَها ... فتُنْبِتُ رَيْحَانًا جَنوبَ الجداول
قال وأنشدني لنفسه. وما أظن أنه ليحيى بن نزار لكن السمعاني ربما سمع منه فاعتقد أنه له، وربما كان له:
شَمْسُ النهارِ أم الصهباءُ في الكاس ... وذاك لأْلاؤُها أم ضَوْءُ نِبْراسِ
تالله لو لم تكن شَمْسُ النهار لما ... بدالها شفقٌ في وَجْنَةِ الحاسي
وفاتر الطَّرْف مَعْسُول الشَّمائلِ عسّالِ القَوامِ كغُصْنِ البانِ مَيّاسِ
أدارها ساقيًا لَيْلًا فقدَّرها ... نارًا فأطفأَها بالمزج في الكاس
توفي رحمه الله ببغداد وأنا بواسط بعد سنة اثنتين وخمسين وخمسماية وأخوه أبو الغنائم قام مكانه.
المقيم بقلعة جعبر أصله من المغرب ووجب إيراده من المغاربة، لكنا ذكرناه ها هنا لإقامته بقلعة جعبر. أنشدني الشريف علي بن محمد بن أبي زيد العباسي المالكي بأصفهان في سنة ثمان وأربعين وخمسمائة، وكان شابًا ظريفًا، قال: أنشدني الشيخ علي النحوي بقلعة جعبر.
ما كنتُ لولا كَلفي بالعِذارْ ... أصبو إلى الشُّرب بكأس العُقارْ
سال كَذَوْبِ المِسْكِ في وَجْنَةٍ ... وَرْدِيَّةٍ تجمع ماءً ونارْ
هذا، وما تمّ، غرامي به ... فكيف لو تمَّ بها واستدارْ
وفاترِ الألحاظ ما زلتُ مِنْ ... نواظر الناس عليه أغارْ
مَلَّكْتُه رِقّي على أنه ... يُجيرُ قلبي فَتَعَدَّى وجارْ
وَيْلاهُ من صِحّة أجفانه ... وما بها من مَرَضٍ واحوِرارْ
حرّان
الحراني
قرأت بخط السمعاني في التاريخ المُذيّل يقول: لقيتُه بنيسابور، وذكره شرف الدين أبو الحسن البيهقي في كتاب وشاح دمية القصر قال: زرته بنيسابور فوجدته كفيفًا، مُلئ ظرفًا وفضلا، وعلمًا ونبلا، وقلت مرحبًا بهذا اللقاء الذي أطلع علينا سعده، وأهلًا بهذا التعريف وما بعده، وحمدًا لغَيْمٍ حمدنا بلسان الصدق بَرْقَه ورعده، قال وأنشدني لنفسه:
ألا إنَّ طَرفي بالسُّهادِ بُعَيْدكُمْ ... أَخِلاّيَ مَطْرُوفٌ وجَفنيَ مَقْرُوحُ
وشوقي إليكمْ زائدٌ غَيْرُ ناقصٍ ... ودمعيَ إن نَهْنَهْتُهُ الدَّهرَ مسفوحُ
ولله قلبي ما أَجَنَّ إذا شَدَتْ ... سُحَيْرًا على الأغصان وُرْقٌ مَصاديحُ
ألا كيف يصحو مَن غَدا وهو بالأسى ... يدَ الدهر مَغْبُوقٌ وبالوَجْدِ مَصْبُوحُ
قال السمعاني: وأنشدني لنفسه:
جاءَتْ تُسائِلُ عن لَيْلِي فقلتُ لها ... وَسَوْرَةُ الهمّ تمحو سِيرة الجَذَلِ
لَيْلِي بكَفَّيْكِ فاغْنَيْ عن سؤالِكِ لي ... إنْ بِنْتِ طال وإن واصلتِ لم يَطُلِ
الرقّة
القاضي الرَّقيّ
هو أبو الحسن علي بن مُشْرِق بن الحسن الرّقّيّ ذكره وُحيش الشاعر وقال: كان شاعرًا مَنْشَؤه ومسكنه بدمشق، ووُلد بالرقة وتوفي بدمشق سنة إحدى وأربعين وخمسمائة، وله قصيدة وازن بها قصيدة ابن الخياط الدمشقي التي يقول فيها: